لماذا نكتب؟ وكيف يقرؤنا الجمهور؟

الأربعاء 24 مايو 2017 02:46 م بتوقيت القدس المحتلة

لمى خاطر / كاتبة فلسطينية

حدث أن تم توجيه هذا السؤال (لماذا تكتبين) لي في لقاء صحفي قبل سنوات، لست أذكر بالضبط تفاصيل الإجابة، لكن ملمحاً أساسياً يظل شاخصاً أمامي في كل مرحلة حول الهدف من كتابتي، لا سيما وأن هاجسيْ الجدوى والجودة يلاحقانني باستمرار. أي جدوى الكتابة أو جدوى أي فعل يمارسه المرء بشكل عام، ثم جودة هذه الكتابة وجدارتها بأن تُضاف إلى إرثي الكتابي.

(لماذا نكتب؟) لا شك أنه سؤال يطرق ذهن كل من يمارس الكتابة من حين لآخر، سواء أكان يمارسها عملاً أم ترفاً أم تفريغاً لشحناته الشعورية أم بحثاً عن مكانة في أوساط الجمهور القارئ، أم انطلاقاً من الوفاء لقضية ما وتبليغاً لرسالتها، وهذا الأخير أخطر الدوافع الكتابية، وأكثرها إحاطة بالمتاعب.

إن متطلبات الكتابة لأجل قضية سامية وعامة كبيرة ودقيقة في الوقت ذاته، لأنها تجعل المرء مكرّساً بالكامل لأجلها، ومتجرداً من ذاتيه ونزعاته الخاصة، أو نزقه الفكري الذي يحتاج أن يُترجم كلمات في بعض الأحيان، والأهم من ذلك أنها تطبع صاحبها بنمط كتابي معيّن، محدّد الفكرة والاتجاه، حتى إذا ألف جمهوره هذا النمط بات بمثابة تأشيرة العبور الوحيدة التي تقلّ الكاتب إلى وعي جمهوره فيحدث فيه التأثير، أو يحظى على الأقل بالقبول والإقناع.

تبقى حاجتنا لجرعة وافرة من الصدق مع الذات ضرورية لمرافقة مسيرتنا الكتابية، فبها فقط تتشكّل مناعتنا ضد التقلّبات والتحوّلات التي قد تنقل المرء من القمة إلى الحضيض، وبها ستملك الكلمة أن تنفذ إلى قلب الجمهور وتستقرّ في وعيه

صحيح أن ذائقة الجمهور القارئ قادرة على تمييز ما يناسبها ويحظى باستحسانها من النصوص بغضّ النظر عن هوية كاتبها، لكنها في الوقت ذاته لا تعتمد معايير واحدة في الحكم والنقد، ولهوية الكاتب ومكانته في وعيها دور في تقييم كتاباته أو تقبّلها، أو حتى قبوله وهضمه، وقد يتجاوز الأمر ذلك إلى حدّ أنها قد لا ترتضي من كاتب معين ما ترتضيه من غيره، وقد تفرض حدوداً وقيوداً على بعضهم بحيث تبقيهم في دائرة قضية واحدة، يلتمس جمهورهم رأيهم المتجدد في كل متعلقاتها، ويحتفي بما يقدمونه ضمن إطارها، لكنه قد ينكر عليهم أن يتجاوزوها إلى غيرها، أو يحاولوا -مثل أي إنسان- أن يعبّروا عن رأيهم أو يسجّلوا انطباعاتهم حول قضية أخرى.

مثلما أن بعض الكتاب يحاولون فرض وصاية فكرية على الجمهور، عبر التعسف في تقرير آراءٍ كمسلّمات، والإكثار من صيغ الأمر والنهي، أو توكيد نظريات تحتمل الأخذ والرد، نجد كذلك أن هناك وصاية مقابلة قد يفرضها قطاع من الجمهور المتلقي على توجهات الكاتب، أو المسارات التي يرى أن عليه المشي فيها دون غيرها، أو المبالغة في تأويل مقاصده وتحليل نواياه. ولكن؛ ومثلما أن الكاتب لا يجوز أن يفترض في نفسه العصمة أو يبدي تعالياً على الناس الذين يكتب لهم فإن المتلقي في المقابل يُجمل به إبداء قدر من المرونة عند التعاطي مع النصوص المقروءة.

هناك أفكار تستحق أن يُنظر فيها دون الْتفات إلى مصدرها، لأن قيمتها المعنوية مجرّدة من الزمان والمكان، وهناك أفكار لا يمكن فصلها عن كاتبها، ولا استيعابها دون مقارنتها بحاله وواقعه، وخصوصاً تلك التي تنادي بفعلٍ ما وتهجو نقيضه، فعلى القاعدة القرآنية (أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) يصبح طبيعياً أن يبحث المتلقي عن تجليات تلك الفكرة في حياة الداعي لها، وعلى قاعدة (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) سيظلّ هناك تشنيع على من يكتفي بالمطالبات المجردة، ولا يتقدم أو يبدي استعداداً ليكون أحد الفاعلين فيها.

الكلمة المؤثرة يمكن أن تكون سيفاً مشهراً في وجه عدوّها، أو جواز سفر إلى قلوب قرائها، أو وصفة دواء في جيب عليل، أو بوصلة على صدر تائه عن الحقيقة، أو حُجة دامغة يتقهقر أمامها سيل من الادعاءات الواهية

في كل الأحوال، تبقى حاجتنا لجرعة وافرة من الصدق مع الذات ضرورية لمرافقة مسيرتنا الكتابية، فبها فقط تتشكّل مناعتنا ضد التقلّبات والتحوّلات التي قد تنقل المرء من القمة إلى الحضيض، وبها ستملك الكلمة أن تنفذ إلى قلب الجمهور وتستقرّ في وعيه، إذا كان هدف الكاتب أن يكتب ليؤثر أو ليغيّر، وليس فقط ليمتع المتلقي أو يحظى بتصفيقه اللحظي، أو لأن عليه أن يكتب كمهنة أو كعادة.

الكلمة المؤثرة يمكن أن تكون سيفاً مشهراً في وجه عدوّها، أو جواز سفر إلى قلوب قرائها، أو وصفة دواء في جيب عليل، أو بوصلة على صدر تائه عن الحقيقة، أو حُجة دامغة يتقهقر أمامها سيل من الادعاءات الواهية. لكن الكلمة المؤثرة عمادها الصدق والوضوح والجرأة والانسجام مع قناعات كاتبها الحقيقية، والانسياب من بين أصابعه بسلاسة وإتقان، ودون تكلّف أو تعقيد، أو تعمّد لإرهاق عقل القارئ.

مثل هذا السؤال الوارد في عنوان المقال، وغيره من أسئلة الكتابة، ستظل قائمة ما بقيت هناك كلمات تُكتب ليقرأها الناس، وستظلّ هناك حاجة مستمرة للتوقف عندها أو للإجابة عليها من حين لآخر، لأنها قد تكون ملازمة لما يتطور إليه وعي الجمهور وقناعاته، وحاجاته واهتماماته، أو تكون رائدته في كل ذلك، ولجام فرسه وشعاع قنديله.