رمضانُ الذي نُريد

الخميس 25 مايو 2017 10:39 ص بتوقيت القدس المحتلة

مرة أخرى يطرق شهر فضيل كريم أبواب قلوبنا، وإن كان فتحُ أبواب أفئدتنا يختلف عن فتح أبواب بيوتنا، فهي معادلة لا يدرك حقيقتها ونتائجها إلا من عاشها واقعا ملموسا. يأتي رمضان ليكون من بين إحدى النفحات الربانية التي يرسلها الله تبارك وتعالى بين الفينة والأخرى ليلتمسها الناس وتكون لهم كظل شجرة وارفة الظلال وسط صحراء شمسها لاهبة، حتى إذا ما وصل إليها مسافر من مكان بعيد أبى إلا أن يجلس يتفيأ ظلالها قبل أن مواصلة المسير، هكذا على الأقل تخبرنا الفطرة السليمة وتُرشدنا لأن نفعل.

يأتي شهر رمضان ليذكرنا بفتوحات وانتصارات، وهاماتٍ مرفوعةٍ شامخة يوم أن كان لنا نحن المسلمون صولات وجولات، وهي أزمنة نتمنى باستمرار لو أن أيامنا كلها رمضان إن كان سوف يُعيدنا لأمجاد تاريخٍ مشرقٍ مضى، نحنُ نتمنى العودة للوراء وإن كان فيها تدني في تطورنا التكنولوجي على كافة الصُعد والمجالات، فحسبه المجدُ والكرامة يكفينا ونستبدله بهواتف ذكية أو سيارات متطورة وطائرات نفاثة.

أما في هذا الزمان الذي أصابت فيها المحن والابتلاءات أمتنا وشعوبنا المنكوبة، فالكثير بات يعتبر قدوم هذا الشهر مجرد عبء وضيف ثقيل الظل، ولن أبالغ إن قلت بأن بعض الناس بات يجاهر بكرهه الشديد لقدوم هذا الزائر الذي إنما جعله الله نعمة وكرم وفضل للبشر يرسله إليهم مرةً في كل عام ليخفف عنهم من حر الذنوب التي ألهبت نفوسهم وأتعبت أبدانهم على مدار أيام عام كامل.

حتى نشعر برمضان ونحقق مقاصده فلا بد من طي صفحة كنا نسير عليها في حياتنا، وفتح صفحة جديدة بيضاء ناصعة لا غبار فيها أو دنس، أساسها تقوى من الله، مبنية على إنابة ورجوع صادق

إن الكارهين لهذا الشهر صنفٌ من اثنين، فهم إما مشتتون في بلادنا العربية أو مهجرون منها بفعل أنظمة سياسية ترفض أن تعيش شعوبها بكرامة البشر، أو أنهم أصلاً لا يرغبون بقدوم هذا الشهر حتى لا يُمارسون شعائر عبادة لا يؤدونها أيام حياتهم الطبيعية؛ لأنهم اتخذوا من الحياة الغربية مدرسةً لهم واعتبروا الإلحاد سبيلاً لنهضتهم المزعومة، رغم أن غالب هذا الصنف من الناس لم يتعرف إلا على قشور الحضارة الغربية التي عاشت عصورها المُظلمة بينما كان تاريخُ العرب يُشار إليه بالبنان على كافة الصُعد والمجالات، وهم بهذه التصرفات يختلفون تماماً عن الصنف الأول الذي لا يتمنى قدوم الشهر الفضيل لشدة الحاجة والفقر الذي يعيشه في أوطاننا العربية، وعدم امتلاكه نقوداً تمكنه من إدخال السعادة على قلوب أطفاله ليسعدوا بقدوم الشهر الفضيل، ولذلك فذاك الصنف يخشى من قدوم رمضان بينما نظره يتركز على محفظته الخاوية في أوطانه صاحبة الخيرات الكثيرة، لكنها ليست من نصيب أمثاله.

وحتى نشعر برمضان ونحقق مقاصده فلا بد من طي صفحة كنا نسير عليها في حياتنا، وفتح صفحة جديدة بيضاء ناصعة لا غبار فيها أو دنس، أساسها تقوى من الله، مبنية على إنابة ورجوع صادق، وعمادها تغيير كامل للعلاقة ما بين المسلم وباقي إخوانه المسلمين وعامة البشر، وإن تحقق ذلك ولو بجزء يسير منه فهذا يعني أن لذة من رمضان قد أصبناها ومن الصعب أن نترك التمتع بها بعد مغادرته لنا. وكي نشعر بلذة حبيبنا "رمضان"، فلا يجب أن نضيع أوقاتنا بالبحث عما لذ وطاب من الطعام، ففعل من ذلك لن يجعلنا نشعر بالفقراء حتى من جيراننا، كما أن معدة ممتلئة لا يفلح صاحبها بإخراج النفس لن تجعلنا نتمكن من قيام الليل إلا مثقلين. أنا لا أقول بألا نأكل أو نشرب، لكل ديننا دين وسطية ولا يقوم على الإسراف والتبذير.

من الواجب أن يكون من طعامنا ولو مرة خلال الشهر أو أكثر نصيب لجيراننا وأصدقائنا، وبخاصة الفقراء منهم ومهما قل أو كثر وليكن من أوسط ما نأكل ودون تكلف أو زيادة عن طعام البيت، فمن شأن هذه الخطوة أن تعيد تكاتفنا المجتمعي الذي تفكك منذ زمن. في رمضان ينبغي إعادة تصالحنا مع ربنا وجيراننا وعامة المسلمين، وأرحامنا المقطوعة، وكتاب ربنا المهجور، وزكاتنا الممنوعة عن مستحقيها "وهم كثر في هذا الزمان"، وهي أعمال وأفعال ستقربنا حتما من ربنا جل جلاله إن أخلصنا النية في أدائها، وسينعكس ذلك على خير يرسله الله لنا من فائض منه وكرمه.

إن انتصارنا على أنفسنا وهزيمتها في المعركة على شهواتها سيكون مقدمة مشجعة في طريقنا لهزيمة أعدائنا واستعادة أمجاد أمتنا التي عاشها أجدادنا قبل عقود من الزمن

إن رمضان لا يعني بأي حال من الأحوال أن نقوم بمهمة "مردة الجن" التي يصفدها الله تعالى في هذا الشهر، من خلال قضاء الساعات الطوال أمام مسلسلات هابطة، وسهرات خليعة، وممارسات تتنافى مع ديننا وقيمنا، في أبرز شكل من إضاعة صيامنا وأجره مع نهاية كل يوم من الصيام وما تنخفض عنه بفعل الجوع والعطش. إن الصائم أخلاقه طيبة، وعلاقاته مهذبة، ونفسه راقية، وجوارحه مصونة، هكذا يجب أن يكون، أما إن اقترف المحرمات والمعاصي وجعل من نهار رمضان صوما عن الطعام والشراب فقط ولم يحفظ جوارحه أو يحافظ على أخلاقه، فذاك الذي لم يُصِب من رمضان لا لذة أو حلاوة، إنما أتعب جسده بجوع وعطش، وهذا ما لا يليق بمسلم عاقل ميزه الله تعالى عن سائر مخلوقاته بالعقل والفطرة السليمة.

أخيرا، إن انتصارنا على أنفسنا وهزيمتها في المعركة على شهواتها سيكون مقدمة مشجعة في طريقنا لهزيمة أعدائنا واستعادة أمجاد أمتنا التي عاشها أجدادنا قبل عقود من الزمن، هذا رمضان الذي نُريد، فهل من مشمر عن ساعده ورابطا لمئزره؟