غزّة القويّة رغم اللأواء!

الأحد 28 مايو 2017 01:56 م بتوقيت القدس المحتلة

في منتصف شهر أيار (مايو)، حذّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من انهيار وشيك لقطاع غزة قائلة في بيان متشائم إنّ "النقص الشديد في الوقود داخل (قطاع) غزة أصاب كل أوجه الحياة (فيه) بالضرر..."، وإنّ "أزمة تلوح في الأفق" ستتعرّض لها قطاعات الصحة العامة والبيئة.

قبل ذلك بأكثر من سنة ونصف، وتحديداً في أيلول (سبتمبر) 2015، حذّرت الأمم المتحدة في تقرير لها من أنّ قطاع غزة سيصبح "غير قابل للسكن" بحلول عام 2020، مشيرةً إلى أنّ الناتج المحلي الإجمالي للقطاع انخفض بنسبة 15% في عام 2014، بينما بلغت نسبة البطالة 44%، ونسبة العوائل التي لا تكتفي غذائياً 72%. واختتم التقرير بالقول إنّ عدوان عام 2014 سرّع تراجع التنمية في غزة.

نوعم تشومسكي، اللغوي والمعارض الأميركي الشهير، قال في لقاء مع موقع "ديموكراسي ناو" إنّ ممارسات "إسرائيل" في الأرض المحتلة أسوأ بكثير من ممارسات الفصل العنصري (أبارتايد) التي شهدتها جنوب إفريقيا، وإنّ وصف ممارساتها بالأبارتايد "هديّة" تُقدّم إليها، مؤكّداً أنّ الخبراء الإسرائيليين قد أحصوا بدقّة عدد السّعرات الحرارية التي يحتاجها الغزّيون من أجل البقاء أحياء، ويسمحون، بناءً على ذلك، بكميّات من الغذاء تحقّق فقط هذا الغرض (8 آب/أغسطس 2014). في الحقيقة، قبل ذلك بسنوات، وتحديداً في عام 2006 عندما فازت حركة حماس في انتخابات حرّة شهدتها الضفة الغربية وغزة، أعلن مستشار رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك، دوف ويسيغلاس، سياسته تجاه قطاع غزة، أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكّان على الأرض: "الفكرة هي أن نفرض على الفلسطينيين حمْيَة، لكن لا نجعلهم يموتون من الجوع" (الغارديان، 15 نيسان/أبريل 2006).

منذ عقد من الزمن وقطاع غزة يعاني انقطاع التيار الكهربائي، الأمر الذي يترك آثاراً كارثية على الصحة العامة والحياة اليومية. جريدة هاآرتس الصهيونية قالت يوم الخميس إنّ الكهرباء لا تصل القطاع إلا 4 ساعات في اليوم، وإنّ "إسرائيل" تخطّط، مع ذلك، لتقليلها (25 أيار/مايو 2017). يضطر الغزيّون لإنفاق جزء من مواردهم لتوفير بدائل للكهرباء، لكنّ هذه الموارد تضرّرت كثيراً من خفض حكومة عباس في رام الله رواتب موظفي غزة بنحو الثلث للشهر الثاني على التوالي، ويعتمد الاقتصاد الغزّي بشكل كبير على هذه الرواتب. وكالة أنباء الأناضول ذكرت في تقرير لها (26 أيار/مايو 2017) أنّ أسواق القطاع تعاني، مع حلول شهر رمضان، "حال ركود كبيرة"، وأنّ "حركة البيع والشراء في الأسواق ضعيفة، جرّاء الفقر الذي يعاني منه السكّان". ونقلت الوكالة عن بو شاك، مدير عمليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، في قطاع غزة، وصفه الأوضاع في القطاع بـ "المأساويّة" مشيراً إلى أنّ عدد المستفيدين من برنامج المساعدات الغذائية بلغ نحو مليون شخص (من نحو مليون و 300 ألف لاجىء موزّعين على 8 مخيّمات في القطاع)، الأمر الذي يُعدّ "فشلاً محزناً للجميع"، بحسب بو شاك، "لأنّ غزة لا تواجه مشكلة عدم وجود غذاء، وإنما مشكلة فقر".

الفقر يضرب أطنابه في قطاع غزة بسبب حصار خانق، همجي، وحقير، يفرضه عليه الكيان الإسرائيلي ونظام السيسي في مصر، وتقول (الأونروا) إنّ 80٪ من سكان القطاع باتوا يعتمدون على المساعدات الدولية من أجل العيش. والآن جاء خفض الرواتب ليضعف الحركة الشرائية على نحو غير مسبوق، ويصيب الأسواق بالشلل.

غزّة وأهلها وقادتها في "حماس" و "القسّام"، فحسبهم بشارة النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا تزال طائفةٌ من أمّتي على الحقّ ظاهرين، لعدوّهم قاهرين، لا يضرّهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء،

لا تبدو ثمّة نهاية في الأفق لهذا الإغلاق الوحشي، الذي حوّل غزّة عمليّاً إلى أكبر سجن مفتوح على وجه الأرض. عقود من الشيطنة للإنسان الفلسطيني، وسنوات من "نزع الأنسنة" عن الغزيّين وحركة "حماس" التي تدير شؤونهم، سمحت بقَولبتهم في صور نمطية مؤدّاها أنّهم عنيفون، خطرون، غاضبون، يائسون، منفلتون، وقابلون لممارسة القتل العبثي والانتحار. لا أحد سيجرؤ، وهذه الصور تغرق الخطابات السياسية والصحافية، على أن يسائل أخلاقية الحصار، ولا أن ينتقده بوصفه حرب إبادة بطيئة، ولا أن يسمّي منع الغذاء والدواء باسمه المعروف في القانون الدولي: "جريمة حرب". تخليد هذه الصور لا يسمح فقط بتبرير حصار الغزّيّين، بل بشنّ حملات عدوانيّة مسلّحة عليهم.

ومع مجيء الرئيس الأميركي، ترمب، يبدو الأفق أكثر تجهّماً، فهو لم يصف حركة حماس بالإرهاب فحسب، بل أراد من النظام الرسمي العربي أن يصنّفها إرهابية، وأن يعامل غزّة بوصفها ساحة من ساحات "الحرب على الإرهاب"، ويبدو أنه نال ما أراد، وتحوّل نحو مليوني فلسطيني في غزّة إلى قطعان من الإرهابيين لا يستحقّون الحياة!

لكنّ سنّة الله ألا يذر المؤمنين على ما هم عليه حتى يَمِيزَ الخبيث من الطيب، وسنّته ألا يترك الذين في قلوبهم مرض حتى يُخرج أضغانهم. أما غزّة وأهلها وقادتها في "حماس" و "القسّام"، فحسبهم بشارة النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا تزال طائفةٌ من أمّتي على الحقّ ظاهرين، لعدوّهم قاهرين، لا يضرّهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، فهم كالإناء بين الأكَلَة، حتى يأتيَ أمر الله وهم كذلك، قالوا: أين هم يا رسول الله؟ قال: في بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس".