رمضان في ألمانيا.. غير!

الإثنين 29 مايو 2017 02:21 م بتوقيت القدس المحتلة

في أول رمضان لي في المانيا -عام 2010- لم أكن أخشى من ساعات الصيام الطويلة بقدر ما كُنت أخشى من أن يأتِ موعد غروب الشمس وليس عندي من يُجالسني على مائدة الإفطار، وكيف لا أخشى وأنا الذي ترعرعتُ في عائلة مع ستّة أخوة كُنا ننتظر أيّنا يسمع الآذان أولًا ثم نتقافز مُسرعين إلى المائدة ونأكل ونحن في غاية الانبساط.

في ألمانيا، لم يكن هناك آذان ولا حتّى مائدة، ولا زلتُ أذكّر يومًا أنني قررتُ ألا أطبخ شيئًا، تملكني حينها شعورٌ من العبثيّة، ولم يعد عندي فرق بين أن آكل الأرز أو المعكرونة أو حتى صحن من السلطة وكفى، وفعلًا أخذت شيء من الخُضار وقطّعتها وتبّلتها بالملح والليمون وتناولتها ولم يكن على الطاولة شيءٌ غيرها، ومع أن هذه الكلمات قد تثير الشفقة تجاهي، إلا أنني أحُب تلك الأيام وبها أفتخر، ويكفيني أنها علمتني ما لم تعلمني إياه أيام الموائد "الفاخرة".

علّمتني أن هُناك ما هو أهم من الدجاج المحشي والبابا غنوج أو حتى الكنافة والقطايف وهو "الإنسان" الذي يُجالسنا على المائدة، ويُسلينا بأخباره ويتسلى بأخبارنا أو حتى يُشعرنا بالأنس لمجرد كونه معنا فقط، وهي نعمة عظيمة لو تفكّرنا لا يعرفها إلا من يُحرم منها، كما أن الوحدة كان حينها قاسيّة وقاسية جدًا لدرجة أنني رُحت أتلّقف أخبار المساجد التي تُجهز الموائد الرمضانيّة للطلبة والمغتربين، حتى كدت أكون خبيرًا فيها، وكُنت أعشقها بشكل لم يفهمه حتى بعض أصحابي، وكُنت أكتب عنها كما لو كانت موائد "ملكيّة".

كانت موائد الإفطار في المسجد متواضعة، شيء من الرز وفوقه شيء من اللحم، بجانبه صحن حساء وصحن سلطة وهذا في أحسن الأحوال طبعًا، فأحيانًا كُنا نقف في طابورٍ طويل عريض ونجد في النهاية أنه لم يتبق إلا الحساء مثلًا، هذا إن تبقَ شيءٌ أصلًا، وقد حصل ذلك فعلًا ولكن ذلك لم يكن ليمنعني عنها والاصرار على البحث عنها لسحرٍ وجدته فيها!

وجدت هناك عائلة كبيرة جدًا جدًا، أكبر من عائلتي بكثير، تُسمى "الإسلام"، أفرادها لا تحصرهم بُقعة ولا لون ولا لغة، هذا من تونس وذاك من اليمن، وآخر من اندونيسيا وآخر من طاجسكتان.. هذا غير ذلك الألماني حديث العهد بالإسلام، لقد كانوا "من كُل فج عميق" وكانوا يُشعرونني أحيانًا بشيء من نفحات الحج حين يتجلى في وجوه الحاضرين وحكاياتهم قول الله تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)!

أعظم ما في هذه الموائد أنها هي الوحيدة القادرة على "توحيد" المُسلمين في هذه البلاد، لأنهم في واقع الأمر في فرقة وتشرذم عجيب

 

ولهذا التعارف بركات جليلة، وجدتها انعكست حتى على دراستي، فلا زلت أذكر شابًا المانًيا، كان يصوم رمضان للمرّة الاولى وكان يؤكد لي دائمًا أن رمضان هو أفضل أشهر الدراسة بينما أصحابنا العرب يتذمرون، وكان يقول إنك في رمضان لا تُفكر بطعام ولا شراب ولا تذهب للمرحاض كثيرًا، فينصب تفكيرك بالدراسة.. ولا زلتُ أذكر شابًا تركيًا له فضلٌ كبير عليّ حيث تصادف أننا التقينا كثيرًا على موائد الافطار معًا، وكُنت كثير الشكوى من صعوبة الدراسة وكانت نصائحه تأتي في وقتها دائمًا، ولا زلتُ أعتقد أنه لولا الموائد الرمضانية وهذا الشاب لتركتُ الجامعة!

أعظم ما في هذه الموائد أنها هي الوحيدة القادرة على "توحيد" المُسلمين في هذه البلاد، لأنهم في واقع الأمر في فرقة وتشرذم عجيب، ولا زلت أذكر مرات عديدة اُعلن فيها العيد في مسجد بينهما أهل المسجد القريب لا زالوا صائمين، كما أنك لو سألت الناس عن مواعيد آذان الفجر والعشاء ستجد اختلافًا عجيبًا، والأنكى من الاختلاف أن البعض لا يحلو له إلا أن يُفسق أو يُضلل من يُخالفه.

ختامًا.. ليتنا نتدبر هذه الموائد أكثر.. ونتعلم منها ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا قبل حوالي 100 عام: " فلنتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه"!