عن رمضان.. ببساطة وثورة

الخميس 01 يونيو 2017 02:55 م بتوقيت القدس المحتلة

يكفيني كل عام قُبيل حلول شهر رمضان أن أسترجع في ذهني الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة التي نزلت وقيلت فيه، لأنني أراها متضمنة كل المعاني التي أحتاج استذكارها وشحن نفسي وهمتي بها لاستقباله، ولأن تدبّرها وحدها يعيدني إلى أصل الرسالة ومبتدئها، وإلى نقائها ووضوحها، وجلاء مقاصدها، ومتانة العلاقة بين العبد وربه، المجرّدة من كل ما يشوبها.

بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنقَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) يتحصل الانقياد الخالص لأمر الله، واستعذاب كل تعب يترتب على الصوم، وتخفت شحنات التوتر العصبي التي يمكن أن تنشأ من تزامن ميقاته مع ظروف مناخية أو اجتماعية أو سياسية صعبة.

وبـ (من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه) يكون الاجتهاد في بلوغ ذروة التزكية للنفس بتشذيب نوازعها، والتخلص من أهوائها، والتغافل عن التفاهات وصغائر الخصومات، والتطهر من مكدّرات القلب الدنيوية، أملاً في بلوغ الغفران والظفر ببركاته.

وبـ (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغُلّقت أبواب النار وصُفّدت الشياطين) يولد الأمل، ويكبر حتى يغدو يقيناً يُساكن النجوم، ويجول ببصره بين إشارات السماء، فيحصل الارتقاء والتخفف من أحمال الأرض التي تُغري بالهبوط والقعود والسكون، فينهمر الدعاء على القلب الظامئ كجدول ماء منساب بين الصخور، حتى إذا ما اغتسل القلب في معينه صعد خالصاً إلى السماء.

بمثل هذه البساطة أفهم الصيام وأستوعب معانيه، وأدرك أن استقبال رمضان ينبغي أن يكون -قبل كل شيء- بقلب نقي متجرّد من الهواجس الدنيوية، وبنفس مستعدة لاحتمال متطلبات الطاعة وتكاليف المغفرة. هي متطلبات قليلة، لكنها ثقيلة في ميزان السماء، ولا يقوى عليها من انقاد لهواه، وأثقلت أحمال الدنيا قلبه وجوارحه.

وفي المقابل أجد في نفسي نفوراً تلقائياً من عديد الكتابات أو المحاضرات التي تبالغ في سرد أصول الاستعداد لاستقبال رمضان ووضع الخطط المحكمة التي تغطي كل مساحة فيه، وتحدد مهمة لكل ساعة، لأنها توحي بآلية الإنسان في تعامله مع لحظات الشهر المختلفة. وكذلك الحال مع تناول الصيام من بُعد فلسفي جامد ينال من حميميته وحضوره الخاص في الذاكرة، وهبوب نسماته على أروقة الوجدان.

إن المعاني التي تضمنتها الآيات والأحاديث النبوية حول الصيام تعني ببساطة أن يكون المسلم منسجماً مع جوهر دينه، لا مع الشكليات والقشور، والفهم الشمولي لهذا المعنى سينسحب على سائر متعلقات الشهر الكريم، من عادات وطقوس، لأنه إن كانت صورة رمضان الذهنية مقترنة بالإرهاق والأعباء والتشتت فلا شك أن ثمة مشكلة تتعلق بالتطبيق، أي بالتطبيق العصري لهذه العبادة، وبالانسحاب من جوهرها إلى هوامشها، ولعلّ هذه من أبرز المشكلات العصرية المتعلقة بالشعائر الدينية، أي اقتران كثير منها بالإرهاق الجسدي والإنفاق المادي المتجاوز طاقة كثير من الناس.

فالرجل الذي يستقبل شهر الصيام متجهم النفس لأنه يعلم أن متطلباته المادية أكبر من طاقته لن يكون منسجماً معه، ولن يشعر بحنين إليه.

والمرأة التي ترى في الشهر فرصة لمضاعفة متاعبها فقط، والبقاء في حالة خدمة مستمرة من لحظة الإفطار إلى السحور، لن تنمو في قلبها شجرة الألفة ولن تنعقد على أغصانها أزهار المودة التي ستقدمها كلّ عام لرمضان عندما يَفِد عليها، خصوصاً إذا كان جريها اليومي وراء المتطلبات الأسرية المبالغ فيها من طعام وشراب وولائم يستنفذ طاقتها الروحية ولا يُبقي وقتاً لواجباتها الدينية.

ما دامت الأمة في عمومها لم تتصالح بعد مع حاجتها للثورة ولم تؤمن بضرورتها، الثورة على الظلم، وعلى الاحتلال، وعلى الفساد، وعلى الموروثات المتخلفة، وعلى الشكليات التي صارت عصب حياتنا وعنوان استمرارها

بإمكان كل الصائمين أن يستمتعوا برمضان، وأن يمرّ عليهم خفيفاً جميلاً متحرراً من المتاعب وهواجس الإرهاق، لو أدركوا أن قيمته في جوهره وليس في مظاهره، ولو تخففوا من مراكمة ما لا يحتاجونه استعداداً لاستقباله، ولو استقبلوه بنفس منشرحة في داخلها وليس فقط عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ولو أماتوا بعض عاداته الطارئة، وأحيوا مقابلها عباداته الأصيلة.

ولكن يبدو أننا لن نتوقع ثورة على الطقوس الرمضانية المرهقة للنفوس والطاقات والجيوب، ما دامت الأمة في عمومها لم تتصالح بعد مع حاجتها للثورة ولم تؤمن بضرورتها، الثورة على الظلم، وعلى الاحتلال، وعلى الفساد، وعلى الموروثات المتخلفة، وعلى الشكليات التي صارت عصب حياتنا وعنوان استمرارها، بينما يُعدّ من يشذّ عنها غريباً أو زائغاً عن طريق المجموع المألوف والمتعارف عليه، لكن المرهق والمقيّد لاحتياجات الروح وتجلّيات معانيها العميقة.