رجال حدثوني عن أعمارهم التي فنيت

السبت 03 يونيو 2017 03:15 م بتوقيت القدس المحتلة

(1)

لي بعض اهتمام بالشافعي، رحمه الله، ومذهبه، ولم أزل في عجب من أثره الهائل في الفكر الإسلامي؛ منذ ساعته حتى ساعتنا هذه، وقد قضى عن 54 عامًا، وامتد اهتمامي إلى طبقات فقهاء مذهبه، حتى أني نظرت فأُعجبت بحال النووي، رحمه الله، وتعجبت له أيضًا، حتى كاد ألا يترك بيت مسلم إلا ودخله، إن بـ "رياض الصالحين" أو بـ "الأربعين النووية" أو بـ "الأذكار"، ولا مكتبة طالب لعلوم الشريعة إلا وتسيدها، بشرحه لصحيح مسلم، ولا متفقهًا على مذهب الشافعي، إلا ووجد النووي عمدته، بـ "منهاج الطالبين" الذي صار مدار اجتهاد فقهاء الشافعية من بعده، ولا متفقهًا في الجملة إلا واضطر إلى "المجموع شرح المهذب"، وذلك كلّه في 45 عامًا.

(2)

أخذني زهده وانقطاعه، وقد نقل عنه تلميذه ابن العطار أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسًا على مشايخه شرحًا وتصحيحًا في الفقه والحديث والنحو والصرف والمنطق والرجال وأصول الدين، وكان، رحمه الله، كما ينقل عنه تلميذه أيضًا، لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد العشاء الآخرة، ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر، ولا يشرب الماء المبرّد، ولا يأكل من فاكهة دمشق -ورعًا- لأن "دمشق كثيرة الأوقاف وأملاك من هو تحت الحجر شرعًا"، وكان لما قدم دمشق وعمره 19 سنة، وسكن المدرسة الرواحية، وبقي نحو سنتين لم يضع جنبه إلى الأرض، وكان قوته فيها جراية المدرسة لا غير.

(3)

انجفلتُ عنه دون أن يراني، ولم يزل دعاؤه يتردد في صدري، ولم يزل حزن تلك الليلة طالاً من وجهه، أعرفه كلما رأيته

 

اجتهدت قبل رمضان الماضي بعشرة أيام أن أتشبه بخُلُقه وفِعْلِه، فما استطعت، وعلمت أنني ومهما تطبّعت، فالأمر اصطفاء في الأصل وتوفيق، وقد استقرّ العلم لي بذلك لما توسّعت في قراءة ترجمته، ثم إنني وقعت على كلمة لسفيان الثوري عن عبد الله بن المبارك يقول فيها: "إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام"، وذلك سفيان، فإن أحزنني حالي، سرّني تشابه الأماني، وقد تمنى عمر أمير المؤمنين لو أن الدار التي جمعته بجملة أصحابه المتمنين رجالاً مثل  أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، وحذيفة بن اليمان.

(4)

وأما أمنية عمر تلك، فقد أخرجها الحاكم في مستدركه، والبخاري في التاريخ الأوسط، وأحمد في فضائل الصحابة، وأبو نعيم في الحلية، وغيرهم، ثم وأنا أتقاصها في المصادر، ووجدتها في كتاب "المتمنين" لابن أبي الدنيا، وقعت على أماني بعضهم، يرويها محمد بن إسحاق صاحب السيرة، فيقول: "تمنّى عبد الملك بن مروان الخلافة، وتمنّى مصعب بن الزبير سكينة بن الحسين وعائشة بنت طلحة، وتمنّى سعيد بن المسيب الجنّة"، وقد نال الأولان أمنيتهما، فكيف إذا نال سعيد أمنيته؟

(5)

وقد علمتُ فيما بعد، إذ رجعت لعبد الله بن المبارك، أن تلك الأمنية هي سرّ التوفيق كلّه، وكان ابن المبارك قد كتب إلى وكيل له على تجارته أن يقضي دين رجل، وكان دينه 700 درهم، إلا أن ابن المبارك أخطأ في الكتاب وجعلها 7000 درهم، فلما راجعه وكيله، قائلاً إن الغلات قد فنيت، رد عليه ابن المبارك: "إن كانت الغلات قد فنيت، فإن العمر أيضًا قد فني، فأجز له ما سبق به قلمي".

(6)

فإن العمر أيضًا قد فني.

(7)

دخلتُ ذات مرّة غرفة ملحقة بمسجد أطفئت أنوارها، وإذا بنشيج أحدهم يحيط بي، وينفذ إلى أعماقي، وهو يناجي ربّه، يتضرّع إليه أن يثبّت القرآن الذي حفظه في صدره، يشكو إلى الله تفلّت القرآن، ويقول: "يا ضيعة عمري الذي يفنى، وقد ضاع منّي الكتاب، فردّني إليه يا ربي، فما فارقني إلا لسوء انطوت عليه نفسي"، وسمعتُ في مناجاته كلامًا كثيرًا، مختلطًا بالكباء الحارق، والدعاء الحذر من أن يتأول لنفسه فعاله التي أخرجت الكتاب من صدره، يكاد يذكر مشاغل الحياة ويحجم، ضيق الوقت ويحجم، ضيقًا في صدره لا يعرف مبعثه فيحجم، ولكنّه استقرّ على الخشية من فوات العمر وفنائه قبل أن يُردّ إلى القرآن.. انجفلتُ عنه دون أن يراني، ولم يزل دعاؤه يتردد في صدري، ولم يزل حزن تلك الليلة طالاً من وجهه، أعرفه كلما رأيته.

(8)

قال لي: لو أُرجعت إلى الماضي، وأتيح لي الاختيار، بوعيي المكتسب هذا، فلن أختار إلا الطريق ذاتها، الحزن ذاته

 

حدثني أحدهم أن الموت هاجس قد حطّ في منامه، وأنّه كل ليل يتحسس جسده كي يتثبّت أنّ حياته حقيقة، ثم إذا انقلب إلى الحياة في نهاره، ظلّ يسأل عن سرّ الحياة ومعناها، ثم إذا استقرّ في وعيه أن "العمر أيضًا يفنى"، اختنق بالأماني التي يتقاصر دونها، أهو عجزه، أم هو قدره، ثم اختنق بسؤال القدر من جديد. يقول لي: شُرودي الذي أُسأل عنه دائمًا في ذلك، وذلك الفكر يستغرقني في أكثر ساعاتي ليلي ونهاري التي تفنى، ويفنى مني شيء بفنائها.

(9)

صديق قريب إلى نفسي كلما زارني، أكّد لي بأننا لم نزل نعيش في العام 2000، هو لم يكن يُذكّرني، لأنني غير قادر على التخلّص من هذه الحقيقة المحزنة، ولكنه كان يؤكّد لي أنني لست استثناء في هذه التجربة، إلا أن الحقيقة التامّة هي في تمزق أعمارنا على صفحة ذلك العقد، وتشوّه وعينا وإحساسنا بأعمارنا والزمن. لستُ أدري إحساسهم بأعمارهم أولئك الذين قضوا -مثلاً- عقدين متصلين في السجن، لأنني لم أعش التجربة، ولكني أدري إحساس من توزّعت حياته دخولاً إلى السجن وخروجًا منه، عامًا خلف عام، بيد أني لا أدري -أيضًا- إن كانت المعرفة هذه نسبية، تقوى وتضعف من واحد إلى آخر.

(10)

آخرُ، حادثني في مثل ذلك، وأكد لي تشوه وعيه بالعمر والزمن، ثم قال لي: لو أُرجعت إلى الماضي، وأتيح لي الاختيار، بوعيي المكتسب هذا، فلن أختار إلا الطريق ذاتها، الحزن ذاته.. فني كثير من العمر، ولكنّي لا ألمح المعنى إلا في هذا الفناء!