السيد الأبيض

الإثنين 05 يونيو 2017 02:33 م بتوقيت القدس المحتلة

ما زالت المواقع الإخبارية العالمية تتحدّث عن تغريدة ترمب الغامضة وتحاول جاهدة تحليلها.. فالحروف التي تصدر من "رئيس الولايات المتحدة" ليست كالحروف، الأصابع لا تخطيء مواضع الأزرار الوهمية على الشاشة المسطحة وحالة السُّكر الشديد غير ورادة، والتهوّر في الكتابة كما في التصرّف لا "يركبان" على شخصية متزّنة مثل ترمب؛ لذا ما زالوا يحللون معنى "التغريدة" وكأنهم فهموا كل شيء دونها وما فوقها مما صدر منه، وتعذّر عليهم فهم الهذيان المسجون بشباك "الهاشتاق"، وحتى يزيد هذا العالم المحتار حيرة قال لهم: احزروا ماذا كنت أقصد  بــ covfefe؟

**

رأس هذا الرجل مشبع بالأفلام الأمريكية التي تعظّم من شخصية السيد الأبيض الذي لا يكترث لأحد أو يشعر بالخطر من أحد أو عليه أن يحترم أي أحد، راقبوا كيف يتصرّف مع الدول التي يزورها.. كأنها حانات لا أكثر، يقتحمها، يركل  فلقتي بوّابتيها برجليه وعلى جميع الزبائن أن يقفوا له احتراماً وخيفة ، يطلق النار بشكل عشوائي على الزجاجات المصفوفة فوق رفوف المحل ليرعب النادل وأصحاب الحانة ثم يجلس إلى طاولة مميزة  ليحتسي من المشروب ما يشاء دون حساب ، ثم يغادر بنفس الطريقة ؛ إطلاق نار وركل البوابات الهزيلة.

**

هل تريدون أن تفهموا تغريدة ترمب المجهولةcovfefe  ؟؟ أحد لا يستطيع أن يتكهّن بنوع الرصاصة ما لم يفهم شكل المسدس ويعرف خصائصه..لا تلحقوا التغريدة وتنشغلوا بتفكيكها على طريقة أسلحة الهندسة، انظروا إلى فيهِ الرجل الذي يطلق التغريدات كم هو استعلائي ومغرور وهجومي..هو أحد رعاة البقر الحداثيين يرتدي ربطة حمراء طويلة لكن في داخله سطوة ذلك الراعي ، الذي حتى يؤمّن مراعيه عليه أن يروع كل الضعاف حوله،  أن يخاطبهم من وفق حصانه ويترك الحوافر تدوس أصابع أرجلهم العارية أثناء الحوار ، هو لا يريد أن يترك لهم أن يفكروا حتى بالنديّة ، هم أتباع فقط ، أتباع مطيعون بالقوة  والسطوة وسيادة اللون الأبيض على الوجوه المتدرجة في العتمة.

راعي البقر لا يتردد بغزو  ونهب أملاك كل من يستطيع أن يفرد عليهم جبروته لأنه لا يؤمن بالحدود ، إذا ما شحّ العشب في مراعيه أو تكاسل الماء في الينابيع التي تحت ملكه وسيطرته ذهب ورجاله بالبنادق والخناجر يحومون حول المراعي  الغزيرة والمياه الجارية ليحتلها ، يضرب سكانها الأصليين ويطردهم أو يجعلهم قطيعاً بشرياً جديداً تحت سطوته وخدمته يسعون الى رضاه  المهم ان يبقى سيداً فوق حصانه وتشبع حتى التخمة كل قطعانه.

وعندما يجري الصفقة بالقوة او الترهيب ، يعود مع مغيب الشمس إلى قريته يصيح لمن ينتظرون غنائمه أنه جلب لهم الكثير الكثير الكثير فيستمر  بطلاً في عيونهم ووجدانهم ،لا يهم إن كان مجرماً أو مغتصباً في عيون الآخرين..المهم أنه أمّن المرعى الجديدة حتى لا تجوع رعيّته.

المسألة لن تتوقف عند تغريدة مجهولة، العالم كله صار يشبه الــ covfefe ، والعالم كله بانتظار الدقيقة الأخيرة من "فيلم السيد الأبيض"

لم تفلح كاميرات الصحافة العربية على كثرتها بالتقاط صورة له وهو يبتسم ابتسامة حقيقية أثناء زيارة المنطقة ، لم تفلح كاميرا واحدة تظهره بمظهر المتواضع الذي يبحث عن شراكة حقيقية او علاقة ودية ، كل الصور و"لقطات الفيديو" تشير إلى أنه جاء بعقلية السيد الأبيض ،عليه ان يكون متجهماً قاسياً فوقياً يأمر ولا يطلب ، يأخذ ولا يعطي ،يتكلّم ولا يسمع ، يركل أي بوابة شرقية برجليه ليدب الرعب في العزّل ،يطلق الرصاص على كل الاتفاقيات الموقعة بين البلدين ، لتنزل إلى طاولته أغلى وأثمن الاتفاقيات يرتوي منها حتى يثمل ، يطلق رصاص التصريحات من جديد بكل الاتجاهات ثم يخرج من حيث دخل لا حمداً ولا شكوراً ليركب حصانه ويعود سيداً كما أتى.

صدقوني المسألة لن تتوقف عند تغريدة مجهولة، العالم كله صار يشبه الــ covfefe ، والعالم كله بانتظار الدقيقة الأخيرة من "فيلم السيد الأبيض".. كم يحزنني صوت "الزفير" الذي يطلقه كل من زارهم وغادرهم أحياء!