لماذا تبدو الهجمة على قطر غير مفهومة؟

الأربعاء 07 يونيو 2017 02:19 م بتوقيت القدس المحتلة

كما هو مُلاحظ في الكتابات التي تحاول فهم الأزمة الخليجية الأخيرة، فإن هذه الأزمة لا تبدو مفهومة تمامًا، بالرغم من المحاولات الدؤوبة للكتاب والمحللين التي حاولت جمع كل ما يمكن جمعه من نقاط افتراق بين طرفي الأزمة؛ الإمارات والسعودية من جهة، وقطر من الجهة الأخرى.

السبب المباشر في عدم اتضاح دوافع الهجمة الأخيرة على قطر يتمثل في غياب الأسباب المباشرة، فبعدما تبين أن التصريحات المنسوبة لأمير قطر مفبركة وغير صحيح، صار واضحًا أن عملية اختراق وكالة الأنباء القطرية؛ كانت جزءًا استخباراتيًّا من خطة الهجوم على قطر، ومتكأ تستند إليه الحملة في منطلقها. وأما العلاقة بإيران، أو دعم الحوثيين، فبعض من مضامين الدعاية المناوئة المصاحبة للهجمة، والتي يمكن تفنيدها بسهولة، والحال هذه، فليس ثمة أسباب مباشرة واضحة للهجمة.

العلاقة الخاصّة التي ربطت دول الخليج بالولايات المتحدة الأميركية، والتي هي في جانب منها علاقة تبعية وحماية، منذ تأسيس الدول الخليجية ضمن مظلة الإشراف البريطاني، وصولاً إلى وراثة الولايات المتحدة للتركة البريطانية، والتصور المفرط لدى العرب حول القدرات الأسطورية للولايات المتحدة، تجعل من الصعب لدى الكثيرين، تصديق أن هذه الهجمة لم تكن بسماح أميركي خاص، إلى درجة أن البعض ذهب لتبني إشاعات تفيد برفض قطر دفع "جزية" كتلك التي دفتها السعودية!

لكن على أي حال، ما يجعل الأمر أكثر إرباكًا للعرب، ولاسيما، الوسط الثقافي منهم المنشغل بالشأن السياسي، هو ضعف الإدراك للذات والعالم، فمنذ حقبة أوباما كان اختلاف واضح بين المعقبين على حضور الولايات المتحدة في منطقتنا، إن كانت في طور الانسحاب من الشرق الأوسط بما يُعظّم بالضرورة من قدرات القوى الإقليمية الساعية لملء الفراغ، أو أنها تقوم بإدارة لعبة محكمة التخطيط تهدف بها إلى ضرب أعدائها ببعضهم واستنزافهم، وابتزاز حلفائها التقليديين؟

ضعف الإدراك للولايات المتحدة، ازداد بطبيعة الحال مع إدارة ترامب، التي لا تُظهر بدورها وضوحًا في الرؤية تجاه منطقتنا، لاسيما مع السمات الشخصية لترامب والسياقات التي جاءت به إلى الحكم وطبيعة علاقته بما يسمّى "المؤسسة" ومجموعة النخب الحاكمة في الولايات المتحدة، وبما يعنيه ذلك كله من انقسام داخل تلك النخب في مقاربة دور الولايات المتحدة في منطقتنا، وما يعنيه أيضًا بدوره، عن تراجع قدرات هذه الأخيرة.

يُضاف إلى ذلك الطبائع الخاصة لعلاقات الأنظمة العربية بقوى الهيمنة في العالم، والتي تُحكم بأنماط وأدوات خفيّة لا يمكن للناس إدراكها، مما يحيط السياسات العامة بالكثير من الغموض من جهة محاولة فهمها، وإلا فالسياسات التي تتوسل بأدوات استخباراتية، هل يمكن القول إن كل العلائق التي وقفت خلفها مفهومة؟ ثمة الكثير مما دار ويدور في الخفاء، في التخطيط لانقلاب السيسي، ودعم حفتر، وحصار المقاومة الفلسطينية، وإدارة العلاقة بالقوى الفاعلة المتصارعة في سوريا والعراق، وهكذا..

ينبني على ذلك السؤال عن قدرة دول الخليج، ومنها السعودية والإمارات، من حيثية علاقتها بالولايات المتحدة، على التصرف تبعًا لرؤيتها الخاصة لملء الفراغ الناجم عن انسحاب أميركا من المنطقة، وعن التوازن في قدرتها على استخدام أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية والاستخباراتية في التأثير على أوساط النخبة الأميركية الحاكمة.

يمكن أن يضاف إلى ذلك، هُزال العقلانية في السياسات العربية البينية، والتي تستند في الكثير من جوانبها، إلى الثأرية والشخصانية وموروثات قديمة، فمهما قيل عن طبيعة الدور القطري في اليمن، فإن الأزمة اليمنية القائمة سببها السياسات الإماراتية والسعودية في حقبة الملك عبد الله، والتي سمحت بتمدد الحوثيين لضرب نتائج الثورة اليمنية.

وما تزال سياسات الإمارات في اليمن، لاسيما في جنوبه، تنافي المصلحة الإستراتيجية السعودية، كما ظلّت الإمارات تحتفظ بعلاقات اقتصادية هي الأوثق مع إيران، في الوقت الذي كانت فيه قطر أكثر دول الخليج خسارة في العلاقة مع إيران من بعد الثورة السورية.

يصعُب، والحال هذه، فهم تبعية السعودية للسياسات الإمارتية في قضايا الإقليم، ومنها العلاقات الخليجية البينية، سوى بالتحليل الذي يذهب إلى استغلال حكام أبو ظبي للخلاف داخل البيت السعودي على الحكم، وقدرتهم على كسب أحد طرفي هذا الخلاف، وهو الطرف الأكثر قدرة على التحكم بالسعودية سياسة ومواردًا بحكم الأمر الواقع.

أيا كان الأمر، فإن السؤال الذي يظلّ قائمًا بإلحاح، هو حول طبيعة سياسات السعودية والإمارات، فلو سلّمنا أنها تستخدم أدواتها للتأثير على أوساط صناعة القرار في العالم الغربي، والتأثير على مساراته الديمقراطية لصالحها، فإن الغريب في طبيعة سياساتها الثابتة، أي لماذا تنتهج سياسات معادية لطموح الأمة في كل شيء تقريبا؟

دعونا نعيد طرح السؤال.

ثمة تحول بدأ مع الثورات العربية، وثمة انسحاب أميركي ظاهر من المنطقة، وهو أمر يدفع السعودية والإمارات بما هي قوى إقليمية، لحماية نفسها بالمبادرة إلى صياغة أوضاع المنطقة، حتى تكون فاعلاً لا مفعولاً به، وهذا مفهوم، ومُقدّر، وإذا كان مفهوما أن تنتهج سياسات تحمي أنظمة الحكم فيها من رياح التغيير والديمقراطية، فلماذا تضطر إلى مواقف تلتقي مع الرؤية الإسرائيلية في كل شيء تقريبا، من القضية الفلسطينية والمقاومة فيها، إلى الموقف من الإسلاميين، إلى الموقف من تركيا أردوغان، إلى الموقف من ظروف التغيير التي بدأت منذ العام 2011؟!

يعيدنا ذلك إلى السياق الأكبر للأزمة الجارية، ويمكن تلخيصه بجملة عناوين: السيولة الجارية والتي لم تتوقف منذ اشتعال الثورات العربية، استمرار الثورة المضادة بما هي القوّة الأكثر فعلاً وقدرة حتى الآن، تمدد النفوذ الإيراني بما يحيط بالجزيرة العربية، مخاوف الدول الخليجية في حقبة أوباما، ظروف القضية الفلسطينية الخاصة والتي منها حكم المقاومة لقطاع غزة، تراجع قدرات الهيمنة الأميركية على العالم، مجيء إدارة أميركية جديدة؛ بدا لفاعلَين إقليميَّين أساسيَّين أنه يمكنهما الاستفادة منها لإعادة صياغة المنطقة ونهائيًّا، أي "إسرائيل" والإمارات.

التربيطات العربية الصهيونية كانت قد بدأت قبل مجيء ترامب، وتمظهرت مرات عديدة قبل ذلك، مع مجيء هذا الأخير كان ثمة ترتيبات كثيرة قد أنجزت، والمصالح قد تلاقت، وهو أمر يدفع الإمارات بما تمثله من رأس طموح للثورة المضادة إلى استغلال اللحظة والاستعجال في ذلك لتصفية ما يمكن تصفيته من بقايا قوى التغيير، وتصفية الحسابات المتبقية مع قطر بما تمثله من قوة سياسات منافسة ومعارضة لها بما في ذلك في موضوع التحول في المنطقة، أما "إسرائيل" فيُعبّر عنها السيسي بحديثه إلى ترامب عن صفقة القرن، أي تصفية القضية الفلسطينية، ويظل الموضوع السعودي الجاري مرتبطًا بترتيبات الحكم والقوى الإقليمية والعالمية التي تستثمر فيها.