الرجوب والبردويل في ميزان الشارع

الخميس 08 يونيو 2017 03:50 م بتوقيت القدس المحتلة

خلال أيام معدودة كان الشارع الفلسطيني أمام تصريحين لاثنين من قادته الكبار، وطبيعياً نقسم الشارع بمواطنيه وكتابه ومثقفيه أو حتى مسئوليه وقادة أحزابه في التعامل مع التصريحين، لكن الأهم في هذا الأمر تمثل في التفاعل مع تصريحٍ دون الآخر، هذا على الرغم من أهمية كلا التصريحين على المستوى الدولي، وليس الفلسطيني المحلي فقط.

ولأن الأديب العالمي والشاعر البريطاني المعروف وليم شكسبير قال فيما تنقل كُتب التاريخ عنه: "حشد العقلاء أمرٌ معقد للغاية، أما حشد القطيع فلا يحتاج سوى راعي وكلب"، فإني أجدُ نفسي مضطراً للغوص في الأسباب التي دفعت جمهوراً كبيرا نحو الانسياق في حشد الآلاف ضمن فيالق وسرايا لمهاجمة شخص "وليس تصريحاته" والسكوت عن تصريحات الآخر، وإن كنتُ أتحفظ على بعض ما ورد في أقوال "شكسبير" التي وجدتها بأنها الأكثر مناسبة في التعامل مع ما جرى داخل ساحتنا الفلسطينية مؤخرا.

التصريح الأول الذي أشغل الساحة الفلسطينية هو ما نسبته وسائل الإعلام المختلفة للدكتور صلاح البردويل عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" خلال حوارٍ مع إحدى الصحف المعروفة التي تصدر في لندن، ففي رده على سؤال حول قرار رئاسة السلطة الفلسطينية وحركة "فتح" اتخاذ "خطوات غير مسبوقة حال أصرت حركته على إبقاء اللجنة المشكلة لإدارة قطاع غزة"، حينها كان رده بـ "أن حماس كما فعلت على مدار 11 سنة ماضية، تستطيع أن تفعل على مدار 11 سنة مقبلة، وستتأقلم مع أي وضع، وستجد الحلول لهذه الأزمات، ولن تعجز عن ذلك".

أعلن الرجوب تخلي حركته عن جزء مهم في المسجد الأقصى المبارك "حائط البراق"، وبتصريحه فقد دفن "الرجوب" دماء آلاف الفلسطينيين والعرب والمسلمين التي سالت أودية في ساحات القدس وأحيائها محاولة انتزاع الحق الإسلامي وإعادته لأهله

أما التصريح الثاني الذي قدر الله تعالى أن يخرج في خضم الهجوم الكاسح الذي كان يواجهه "البردويل"، بل إن شئت فقل طوفان عارم لا يملك الوقت لإعمال السمع أو البصيرة، إنما يواصل الهجوم دون هوادة أو تروي وقراءة ما بين السطور، طبعاً لشيء يعتمل في صدر ذلك المهاجم بعيداً عن أي مهنية أو مسئولية، وفي اجتزاء واضح للنص.

جاء تصريحٌ آخر، لكن متلفز هذه المرة لأعلى شخصية فتحاوية بعد رئيسها، فقد بدا أمين سر اللجنة المركزية لحركة "فتح" جبريل الرجوب بكامل وعيه وبلغته "العبرية" التي يُجيدها بطلاقة، حينما أعلن تخلي حركته عن جزء مهم في المسجد الأقصى المبارك "حائط البراق" وأهداه بالمجان للعدو الإسرائيلي، وبتصريحه فقد دفن "الرجوب" دماء آلاف الفلسطينيين والعرب والمسلمين التي سالت أودية في ساحات القدس وأحيائها محاولة انتزاع الحق الإسلامي وإعادته لأهله.

وبينما كان يشاهد الجمهور الإسرائيلي تصريحات "الرجوب" من خلال شاشة القناة العبرية الثانية حول استعداد قيادة "فتح" لتقديم تنازلات جديدة على مائدة الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" لتحقيق تسوية فلسطينية إسرائيلية تعني في محصلتها تنازل الفلسطيني عن حقه والعيش بجوار سالب أرضه ووطنه ذليلاً مكسوراً!

وفي خضم تصريحات "الرجوب" شدَّ الجمهور الإسرائيلي تصريحه حينما قال: "إن حائط (المبكى) له مكانة وقدسية لدى الشعب اليهودي، وعليه يجب أن يبقى تحت السيادة اليهودية، فلا خلاف على ذلك"، وكحال الجمهور الإسرائيلي الذي تفاجأ بالتصريح، فقد فعلت كذلك مذيعة البرنامج "رينا متسليح" واعتقدت بأنه أخطأ فسألته بطريقة أخرى "وحائط البراق يبقى تحت السيادة اليهودية؟!"، فرد عليها قائلا "نعم نعم هذا مكان مقدس لليهود"!!

بكل أسفٍ ثارت ثائرة الكثيرين من النشطاء على التصريح الأول الذي يعود للبردويل، بينما صمت الكثير منهم وهم يشاهدون فضيحة مدوية في التصريح الثاني للقيادي "الرجوب" أمين سر حركة "فتح" وهو صاحب الملفات المختلفة في التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي وتسليم خلايا المقاومة الفلسطينية للعدو الصهيوني كما هو معروف في "خلية صوريف" وغيرها.

بقراءة متأنية وبعيداً عن التبرير لا بُد من التوقف قليلاً، فمسألة التفاعل الجماهيري مع تصريح على حساب الآخر رغم الجرائم المركبة التي يحتويها التصريح الثاني، تدفع الإنسان لمحاولة البحث عن الهدف من وراء ذلك وقراءة التاريخ بطريقة متأنية لمعرفة أين باتت تتجه البوصلة.

أليس من العار أن الكثير من مهاجمي "البردويل" يسكنون غزة أصلا ويعانون الحصار وانقطاع الكهرباء وغياب عشرات أصناف الأدوية من مستودعات وزارة الصحة الفلسطينية وتم حجب رواتبهم من رئيس حركتهم "محمود عباس"

1- بعد سنوات الحصار الذي تعاني منه غزة، وبعد الخطوات المتوالية التي تقوم بها السلطة الفلسطينية بقيادة حركة "فتح" إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي، وبمساهمة العديد من الأنظمة العربية في خنق غزة، هل كان المفترض على "البردويل" أن يرفع الراية البيضاء ويعلن استعداد غزة للانخراط في منظومة التنسيق والخيانة الأمنية للعدو الإسرائيلي بعد هذه المسيرة المكللة من التضحيات والدماء التي ستلعننا حتى قيام الساعة إن فعلنا ذلك؟

2- ولماذا يقوم هذا "القطيع" الكبير من النشطاء والكتاب وغيرهم "إلا من رحم الله" بمهاجمة "البردويل" بكل وقاحة وغياب للمسئولية في النقد البناء، بينما تنحرف أقلامهم وتخرس ألسنتهم عن الحديث في أصل السؤال الذي رد عليه، وهو ما يتعلق بخطوات السلطة الفلسطينية تجاه غزة؟. بمعنى لماذا لا تُطالبون السلطة وحركة "فتح" عن وقف خنقها لغزة حتى لا يصل "البردويل" لإعلان استمرار الصمود في مواجهة ذلك الحصار؟

3- أليس من العار أن الكثير من مهاجمي "البردويل" يسكنون غزة أصلا ويعانون الحصار وانقطاع الكهرباء وغياب عشرات أصناف الأدوية من مستودعات وزارة الصحة الفلسطينية وتم حجب رواتبهم من رئيس حركتهم "محمود عباس"؟

4- إن كانوا يهاجمون الضحية "البردويل" بهذا الشكل والذي يعيش معهم في مخيمات غزة المحاصرة، ولا يتحركون تجاه الفاعل الحقيقي فكيف يُمكن تبرير ذلك؟ الإنسان يمتلك عقلاً للتفكير بطبعه، فماذا نقول عن مهاجم للضحية ومُبجلٍ للمجرم؟

5- ألا يوجد في قاموس العمل السياسي "أسلوب التحدي" للمحتل؟ أم أن أسلوب الذل والهوان الذي روجه الإعلام الرسمي للسلطة الفلسطينية على مدار عقودٍ من الزمن ولا يزال هو المستنقع الآسن الذي تنمو فيه مثل تلك الأقلام؟

رغم أقلام أهل الحق والعدل على قلة أعدادها، إلا أن ضرباتها تكون هي الموفقة، ونقشها على صخور الواقع لا تُزيله عوامل التعرية، بينما خطوط أصحاب "الأقلام السوداء" فسرعان ما يمحوها ماء البحر عن رمال الشاطئ.

6- ألا يعتبر تصريح "الرجوب" جريمة وطنية لم يسبقه بها أحدٌ من العالمين في ساحتنا الفلسطينية، بل أنه تصريحٌ لو كان في بلد يحترم نفسه لا يمر دون تعليق صاحبه على أعواد المشنقة؟

في مثلنا الشعبي "كل إناء بما فيه ينضح" وهذا للأسف حال الكثير من الكُتاب ومن يضعون أنفسهم في خانة المثقفين، لكن للأسف مرة أخرى أن ترى الكثير من هؤلاء لا يشكل بالنسبة لمجتمعه مصباحاً ينير له الطريق، ويرشده نحو الحقيقة ويكون مجرد "ماسح جوخ" على حساب المصالح الوطنية وبحثاً عما يُدره عليه ذلك القلم بحبره الأسود من بضع دولارات مسمومة.

أخيراً، فمثل هؤلاء أثبت التاريخ بأن أقلامهم ترتعش وقلوبهم ترتجف، فرغم أقلام أهل الحق والعدل على قلة أعدادها، إلا أن ضرباتها تكون هي الموفقة، ونقشها على صخور الواقع لا تُزيله عوامل التعرية، بينما خطوط أصحاب "الأقلام السوداء" فسرعان ما يمحوها ماء البحر عن رمال الشاطئ.