رمال شقيقة

السبت 10 يونيو 2017 02:25 م بتوقيت القدس المحتلة

في بداية الثمانينات كان أبي يملك شاحنة ،لها صندوق ترابي اللون يشبه أرضنا  ورأس رمادي محايد.. بعض الرسومات الصغيرة لينابيع افتراضية وشجر الأرز كانت تغطي الواجهة الخلفية للصندوق، هذه الرسومات كنت أراها على هياكل معظم الشاحنات، لا أدري الغاية منها ربما لتسلية المسافر إذا ما استراح في ظلها بين الحدود، وربما لتعطي أملاً أن الطريق  مهما أوغلت في الصحراء فثمة ينابيع وغابات في الخلف أو ربما كان مجرد اجتهاد لنجّار المصنع لا أكثر.

كان يسافر أبي شرقاً يحمل "فروته" على ذراعه ويركب قرب السائق ليسليه ويرشده إلى الطريق المائج في الفيافي، يستهدي إلى أقصر الطرق من خلال خطوط الدواليب التي سبقتهم في درب الرزق، قاطعة  النهارات الحارقة والليل الموحش..لم نكن نميّز في طفولتنا إلى أي البلاد العربية يسافر أبي ،كل ما كنّا نعرفه انه يسافر شرقاً ،نراقب هودج سيارته التي تمشي بثقل وتؤده حتى تختفي بين سراب وغبار كثيف كان الشرق يعني أبي ويعني العروبة الواحدة ويعني الصحراء ويعني حلم الرجوع باكراً.

عند العودة كنا نستقبل راحلة والدي المتعبة ،نشاهد الرمال وقد غطت اضويتها ورفوف خشبها الثقيل كما يغطي الطحين رموش الطحان ،نلمس الرمال الشقيقة،  نحتفي بها ، نكتب أسماءنا فوقها ، نفرح لعودة أبي وعودة سيارته المحملّة بالهدايا ورائحة الشرق الشهي، لم نكن نسأله أين وجهتك هذه المرّة ،ولم ندقق بأختام الحدود على جواز سفره حسبنا انه عاد ،ثم ما نفع الأختام وختم الرمل الناعم فوق "الشادر" والإطار الاحتياطي والزجاج الأمامي الواسع  يشبه بقايا الحصاد على يد الفلاح ،  كان رمل الخليج واحداً ناعماً فاقعاً كغبار الذهب لا نميّز بين رمل السعودية وقطر والبحرين والكويت والإمارات كان الرمل "درب تبّانتنا" و "عجاج" طفولتنا الذي ننتظره في انتصاف كل شهر، كان الخليج مثل وجه أبي أسمر لوّحته شمس الصحراء لكنه طيب وحنون ولا يقبل القسمة الا على الحب، الحب فقط .

بالمناسبة ملامح أبي البدوية كانت تسهّل عليه المهمّة شرقاً ، يحبّه موظفو الجوازات ويحبّهم ،يكون صداقات متينة مع حرس الحدود وبعض أبناء القبائل الصحراوية هناك ، يوصونه على "الجبنة البلدية" و"الحلاوة الشامية " وفاكهة الغور الموسمية" وكان قبيل سفره يجهّز هدايا الأصدقاء ويكتب بخطّه البسيط الأسماء عليها كي لا ينسى أو يخلط "التوصيات"..بالمقابل كان يجلب لنا التمر والدبس  والثياب الملوّنة والشاي  الأسود بصناديق خشب محكمة الإغلاق، ثم يروي لنا بعد أن يخلع عباءة السفر قصصاً شيقة  وأسماء لا زلت أذكر بعضها ومواقف قاسية كالصحراء وأخرى ناعمة كالرمل العربي .

يسألني البعض إلى من تنحاز في "أزمة قطر"..أقول بكل ثقة أنحاز إلى العرب ،إلى الوحدة، إلى الرمال الشقيقة، إلى وجه أبي البدوي العربي!

كنا أطفالاً ، وكنا نرى  الخليج كله كما يبدو بــ "افتح يا سمسم" حارة هانئة لا نفرق بين لهجة عبد الله أو لباس حمد أو طائفة هشام أو طيبة جاسم ..كنا نرى الخليج حيّاً مسالماً لا تدخله خصومه أو تفرقه ضغينة، وآخر النهار يغلق باب الشرق عليهم ليناموا جميعاً بسلام ومحبة..كنا نرى الجزيرة العربية كلها فوق رموش أبي وعلى زجاج مركبته الذي يتحدّى شمس حزيران في كل سفر..كنا نرى الجزيرة العربية على شاشتنا الصغيرة عندما نقرأ "إنتاج الخليج العربي  المشترك" يقدّم...فنطمئن أن في العروبة ما زال ثمة شيئاً مشتركاً وان كان إنتاجا تلفزيونياً.

لا أستطيع أن أتخيل أن الرمال الشقيقة التي كانت تحملها سيارة أبي كطحين المسافات ،انقسمت واختصمت واختلفت وأصبحت زوبعة تغطي الرؤيا وتضلّ الطريق ، لا أستطيع أن أتخيل أن الرمال الشقيقة الناعمة التي كانت تلامس أصابعي وتتشكل بحروف اسمي صارت رمالاً حارقة نزقة عاصفة تقلع خيام الآمال وتغلق نوافذ الأخوة.

يسألني البعض إلى من تنحاز في "أزمة قطر"..أقول بكل ثقة أنحاز إلى العرب ،إلى الوحدة، إلى الرمال الشقيقة، إلى وجه أبي البدوي العربي!