مشايخ "ما يطلبه السلطان"

الثلاثاء 13 يونيو 2017 02:47 م بتوقيت القدس المحتلة

مشايخ "ما يطلبه السلطان"

الكاتب السوري ياسر السيد عمر 

 كانت اللحظة سريالية بامتياز، عندما ظهر علينا ذلك الداعية الوسيم بمظهر "الموديل" العارض لأنواع فاخرة من العطور، في صورة دعاية مسبقة الإعداد، ليعرضها على متابعيه ليحثهم على مزيد من الاستهلاك والترف. ما أن ينتهي المشهد حتى تنقلنا الشاشة إلى إعلان من نوع آخر، يقوم فيه ولي أمره بإعلان مقاطعة جار وشقيق له، مقاطعة شاملة، تشمل إغلاق الحدود ومنع كل أنواع المؤازرة والتأييد والدعم ولو بكلمة عابرة، مع تغريم وتجريم كل من يخالف ذلك، ورداً على ذلك يرفع الشيخ أكفه الجميلتين ليدعو الله بتأييد السلطان!

وعلى الجهة الأخرى من الحارة نفسها يسانده صديقه الداعية الآخر بدعوة باردة أخرى للسلطان، لا تأبه بالمظلوم بقدر ما ترتجف يد كاتبها خوفاً من نقمة ولي الأمر. عائلات تشتت، ومسافرون ينقطع بهم السبل، ومتوفون لا يجدون من يصلي عليهم من أهليهم، وكل هذا بسيط، فالحل عند الشيخ، "لا تحزن" وضع قليلاً من الليمون على همومك وستغدو الحياة أجمل!

لم يكن مصطلح "ولي الأمر" ينطق ويجمّل من هؤلاء عن عبث، حتى إذا جاءت اللحظة الحاسمة قفز لنا مجموعة من المبررين يتقاسمون الأدوار في المباركة لدعائهم، وإعفائهم من المسؤولية. والسؤال الأبرز هو ممّ يخاف أولئك المشايخ، أوليسوا هم من كرروا على مسامعنا مئات المرات قول ابن تيمية رحمه: "سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة"، أم أن الماء تكذب الغطاس كما يقال؟!

لو لم يكن من فائدة للربيع العربي سوى أنه كشف لنا زيف هؤلاء لكفتنا، ولو لم يكن لوعي الشعوب أن يرتقي خلال السنوات الماضية إلا إلى هذا المستوى من كشف النفاق والتملق لكفتنا أيضاً

ورجاء لا تقارنوا بيننا وبينهم، ولا تقولوا لو كنت أو كنا مكانهم لفعلنا أو ما فعلنا، أوليسوا هم من صدّروا أنفسهم لهذه المهمة، أوليسوا هم من أعلنوا أنهم قد ربطوا خيولهم على جبهات الدعوة وتوعية الشعوب، أفلما راح الرخاء وجاءت الشدة، سحبوا خيولهم وتركونا؟! إذا فليصمتوا وليريحونا ويريحوا ضمائرهم! أوليسوا هم نفس المشايخ الذين حدثونا عن مصعب بن عمير الذي كان عطره يشمّ على مسافة كذا وكذا، فرماه رجاء ما عند الله، وغدا إلى محمد عليه السلام يفديه بنفسه وماله! فأين هم من مصعب بن عمير الآن؟ أم أن مصعب يذكر في مناسبات دون مناسبات؟

لو لم يكن من فائدة للربيع العربي سوى أنه كشف لنا زيف هؤلاء لكفتنا، ولو لم يكن لوعي الشعوب أن يرتقي خلال السنوات الماضية إلا إلى هذا المستوى من كشف النفاق والتملق لكفتنا أيضاً. بينما يتفنن هؤلاء في تجميل الكلام حين الحديث عن إمام أهل السنة ابن حنبل رحمه الله، وتزيين موقفه أمام السلطان، تجدهم يجبنون ويختارون ضرب الرؤوس في الرمال وكأن الحديقة غنّاء والعصافير فيها تزقزق.

لا يدرك هؤلاء أنهم بمواقفهم المضطربة تلك يساهمون في توجيه الشباب نحو الإلحاد، ودفعهم نحو البعد أكثر فأكثر عن الله، بما يتركونه من آثار لا تمحوها خطب رنانة ولا كلمات مزوقة. لا يدرك هؤلاء أن التاريخ لا يرحم، وأن القاع مهما ازدحم ففيه الكثير من المتسع، وأن الرجال تعرف بالحق، وما يتذكره الناس هو مواقفهم وجرئتهم في الحق، لا عطورهم الفاخرة، ولا كلماتهم المعسولة التي تعبّق المكان بمديح السلطان!

المصدر : مدونات الجزيرة