أبي.. ابقَ أرجوك

الثلاثاء 04 يوليو 2017 04:59 م بتوقيت القدس المحتلة

أبي.. ابقَ أرجوك

حلب - يمان خطيب 

تمسك زلفة، طفلة في التاسعة من عمرها يد والدها صباح كل يوم، وقد تبللت رموشها بالدموع، ترجوه أن لا يخرج، فيما لم تفلح محاولات زيد، شقيقها الأصغر، بمنع الوالد من مغادرة المنزل، قد لا يبدو هذا طبيعياً في بلد غير سوريا وفي مدينة لا تسمى إدلب، هناك حيث الموت المتوفر طالما تدور عقارب الساعة وتعدّ نشرات الأخبار.

بحيلة، يغادر أبو زيد المنزل أخيراً، مرتديا زيه اليومي، بزة الدفاع المدني وخوذة بيضاء تغطي شعره الذي اجتاحه الشيب رغم عدم تخطيه الثلاثين، يسترق النظر في طريقه إلى مركز الدفاع المدني لصورة وضعها في جيب قميصه، يظهر فيها مع أسرته.

فور وصوله، تدوي صفارات الإنذار محذرة من طائرة مقاتلة انطلقت من مطار عسكري قريب لتنقض على الأسواق أو المدارس وربما دور العبادة، ترقب وذعر يهيمنان على الجميع، ألسنة كبار السن تلهج بالدعاء الذي لا يملكون غيره في حضرة تحليق الطائرات، الأطفال يهرعون إلى حضون أمهاتهم، يهز انفجار ضخم أرجاء المدينة وقلب زلفة، والدها سيكون بعد لحظات في المكان المستهدف لإنقاذ من دفن بين جدران منزله أو تحت سقف دكانه، هي تخشى أن يكون والدها ضحية غارة ثانية تنفذها الطائرات عادة على ذات المكان لقتل أكبر عدد ممكن، يستقل بسرعة أبو زيد ورفاقه سيارة فريق الإنقاذ، فقد حولت الطائرات التي لا زالت تحلق في السماء بناء سكني كامل تتواجد فيه أربع عائلات إلى ركام.

رب عائلة يبكي وأم تندب وتصرخ وأشلاء جثث متناثرة وسيارة تحترق بمن فيها، تفاصيل مذبحة هي أقرب إلى مشهد مأخوذ من فيلم سينمائي، على فريق أبو زيد أن يواجهها ويحدد أولوياته وسط هذا الكم من الموت، يتوسل رجل خمسيني لانتشال ابنه الوحيد وزوجته من بين الأنقاض، يقاطعه هدير طائرة تنقض مجدداً لتضرب منطقة قريبة، مخلفة مجزرة أخرى..!

بيديه المتعبتين يزيح أبو زيد الحجارة والتراب عن طفلة دفن أجزاء من جسدها عقب الغارة، ينتشل الصغيرة من بين فكي الموت ويشاركها ذرف الدموع وإن كان لكلٍ سببه، فهي تبكي من شدة الألم وهول ما حدث، أما هو فتخيل لوهلة أن تكون زلفة أو زيد في مكانها، أو ربما دموع فرح يترجمها شعاره الأول " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ".

تجلس زلفة بجوار زيد عند باب المنزل منتظران عودة والدهما، تأخر مثل العادة، لكنهما موقنان عودته وواثقان من وعده، يغادر أبو زيد مركز الدفاع المدني بعد يوم شاق حافل بالإنجازات والمتاعب، يتمتم في طريقه إلى المنزل بقصص يرويها لطفليه قبل النوم، إحداها تتحدث عن بطل يضحي بأغلى ما يملك في سبيل إنقاذ الأطفال.