"نوم الظالمين عبادة"

الثلاثاء 04 يوليو 2017 05:56 م بتوقيت القدس المحتلة

"نوم الظالمين عبادة"

براء نزار ريان / محاضر بالجامعة الاسلامية بغزة 

ما من لعنةٍ لاحقت الحكّام العرب، مثل لعنة "ضياع فلسطين"، يلعنهم بها شعوبهم كلّما ألمّت بأهل فلسطين ملمّة، أو أصابتهم مصيبة، يلعنونهم، ويلعنون صمتهم، وتخاذلهم، وتقاعسهم عن مواجهة الاحتلال الذي هزمهم جميعًا، وقتل منهم ألوفًا، وجثم على موضع القلب من وطنهم العربيّ.

ثمة اعتقادٌ قويّ لدى الفلسطينيين والعرب عامّة -وهو صحيحٌ برأيي- أنّ "إسرائيل" لم تكن لتقوم، ولا لتعيش عمرها الطويل، لولا خيانة الأنظمة العربية، ونصبها نفسها سياجًا حاميًا، بهشاشة نظامها السياسيّ المبنيّ على القمع والدكتاتورية، وبفسادها وإنهاكها البلاد، وجعلها أضعف من مواجهة عدوٍّ بحجم "إسرائيل" وداعميها، وكذلك بتحالفها الحقيقيّ مع قادة الاحتلال، تحالف يرعى المصلحة الشخصية لقادة هذه الأنظمة، والمصلحة القومية لدولة الاحتلال.

أخاف الربيعُ العربيّ أصحاب العروش، فعاثوا في بلاده تحريشًا وتخريبًا، وبذلوا في ذلك مواردهم المالية، وأبواقهم الإعلامية، وقنواتهم الدبلوماسية، واجتهدوا -وهم الكسالى الفسدة- أن يدفنوا الحلم في مهده، وأن يمنعوا رياح التغيير

كثيرًا تساءل العربُ عن جيوشهم التي تتسلّح بالمليارات، طائراتهم التي لم يعرفوها إلا في الاستعراضات، ودبابتهم التي علاها الصدأ، وبنادق جنودهم التي سكتت طويلًا، تمنوها أن تفتح فوهاتها يومًا، فتنطق بالحقّ رصاصًا في وجوه القتلة السارقين، وتساند أهل فلسطين في معركتهم التي امتدّت أكثر من مائة عام!

لم تغادرُ الأحلامُ مخيلة العربيّ، أن يستيقظ الحكام من سباتهم الطويل، وأن يستشعروا مسئولية أنظمتهم عن ضياع فلسطين، ومأساة أهلها، وأن تتحرّك ضمائرهم مرّةً باتجاهها، وطالما ناشدت الشعوب حكّامها وجيوشها شعرًا ونثرًا وخطابةً وتظاهرًا وهتافًا، أن تذكّروا فلسطين، وأغيثوا أهلها.

لم توقظ الحكام انتفاضةٌ، ولا حرّكت نخوة جيوشهم مجزرة، ولا ارتجفت أجفانُ القوم، حتى هزّ أعمدة القصور هتاف الحشود على أبوابها، تطالبُ بحقّ عقودٍ من الظلم والفساد والتهميش والخيانة، حينها فقط انتبهت الأنظمة العربية، ونفضت عن نفسها غبار السكون، وانطلقت في نشاط محموم، لا للتغيير والإصلاح، إنّما لإجهاضهما.

أخيرًا حلّقت الطائرات، وهدرت الدبابات، وفتحت البنادق فوهاتها، فإذا بالطائرات تُلقي البراميل المتفجّرة على بيوت أبناء البلد، وإذا الدبابات تفرم أجساد المعتصمين في الساحات، وإذا البنادق تأكل لحم العزل جهارًا على الهواء، تحرّكت الجيوش التي جبُنت عن "إسرائيل" أربعين سنة، وقام الجنرالات الذين لم يتشرّفوا بطلقةٍ واحدةٍ يطلقونها على عدوّ خارجيّ، ليحرموا الشعوب من فرصتها في الحريّة، ويهدموا محاولتها الشريفة، للتحوّل إلى كيانات يمكن أن تخافها "إسرائيل" يومًا.

 أخاف الربيعُ العربيّ أصحاب العروش، فعاثوا في بلاده تحريشًا وتخريبًا، وبذلوا في ذلك مواردهم المالية، وأبواقهم الإعلامية، وقنواتهم الدبلوماسية، واجتهدوا -وهم الكسالى الفسدة- أن يدفنوا الحلم في مهده، وأن يمنعوا رياح التغيير التي هبّت على المنطقة أن تضرب سواحلهم، وقد علموا أنّ كأس الحرية إذا دارت، فلن تردّها يد.

دولة الليالي الحمراء، والمؤامرات السوداء، تحالف مدن الظلام، وكيل أمريكا الحصريّ الجديد، وذراعها الضاربةُ بالمال والسلاح لن يرتاح لها بالٌ حتى ترى آخر قلاع الشرف مهدومةً على رؤوس أصحابها

كره أعداء الربيع أن يعودوا إلى ما قبله، أرادوا اقتلاع نبتة الحرية من الجذور، وإقامة "منطقة عازلة" بين الشعوب وبين الحلم، وتذكّروا أخيرًا فلسطين! هذه الورقة الرابحة ذات الخطر، وكيف يمكن أن يساهم العبثُ بها لصالح "إسرائيل" وداعميها في توطيد عروشهم، وتعويض شرعيتهم المهتزّة.

المملكة العجوز، التي طالما افتخرت بسياساتها الثابتة الهادئة، وتحرّكاتها الثقيلة الرصينة، إذا بها تتقافز كمراهقة تنشّقت -لأوّل مرة- دخان حشيشة! تفتحُ حربًا وتغلق أخرى، تحاصرُ هذا وتغدق على ذاك، تدفعُ لوليّ نعمتها المليارات، وتلاحقُ المساكين على فتات الفُتات، ولا تنسى ورقة فلسطين، فتأمرُ لجانها الإلكترونية أن تغرّد بلا حياء في حبّ "إسرائيل" وشرعنة التطبيع!

دولة الليالي الحمراء، والمؤامرات السوداء، تحالف مدن الظلام، وكيل أمريكا الحصريّ الجديد، وذراعها الضاربةُ بالمال والسلاح في كلّ جبهات الثورة المضادّة، من ليبيا إلى مصر إلى سوريا وحتى اليمن، تمدّ إلى غزّة اللقمة المسمومة، والقصعة الملغومة، لن يرتاح لها بالٌ حتى ترى آخر قلاع الشرف مهدومةً على رؤوس أصحابها.

المنقلب مسلوب الشرعية، الغارق في دماء الركّع السجود، يبحثُ عن رضى الغرب، ورزّ الشرق، جاهزٌ لبيع أيّ شيء، وبأيّ ثمن، فمن خيرٌ منه تمرر "إسرائيل" من خلاله "صفقة القرن"!

مواقفُ تحيّر الحليم، وتحيي في قلبه الحنين، إلى أيامٍ كان العربُ يتداولون صور حكامهم، وهم يغطّون في النوم في اجتماعاتهم، ويهمسُ في نفسه: ما أشدّ حُمقنا إذ كنا ننتظر استيقاظهم، ونسينا ما علّمنا أهلُنا، من أنّ "نوم الظالمين عبادة"