أزمات تنتج رداءة خطابها

الأربعاء 05 يوليو 2017 02:41 م بتوقيت القدس المحتلة

يقول مثل عربي قديم: "عش رجباً.. ترى عجبا"، والحال أن معايشة الواقع العربي منذ عقود رجباً بعد آخر تورث في نفس المتابع عجائب متناقضة، بقدر ما تضع في وعيه خلاصات مهمة ومستفزة في الوقت ذاته، لأنك تكتشف أن مسيرة التطور والتقدم التقليدية لم تحدث فرقاً كبيراً في تعامل قسم كبير من الناس مع الحوادث والأزمات التي تعصف بهم مرة بعد أخرى.

ويبدو اليوم، ونحن نوشك أن ندلف إلى العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، كأن أزماته تستنسخ مفردات سادت في منتصف القرن الماضي حول أخرى تتقاطع معها في بعض الخلفيات. فعلى سبيل المثال، ونحن نعيش ذكرى انقلاب عبد الفتاح السيسي على شرعية الرئيس محمد مرسي، فإن الخطاب الذي رافق ذلك الانقلاب ومهد له يتطابق تماماً مع نظيره في خمسينيات القرن الماضي حينما كانت رقاب الإسلاميين تحت المقصلة، وكانت وسائل الإعلام تحشد كل ما يخطر لها من اتهامات وافتراءات فتلصقها بهم لتبرير قسوة القمع المنتهج ضدهم، وفضّ حالة التعاطف الشعبي من حولهم. وقد كان لذلك الخطاب سطوة وتأثير لدرجة أنه أصبح جزءاً من وعي قسم لا بأس به من العوام، ولدرجة أنه جرى توارثه عبر عقود، فأعاد إنتاج نفسه بالصيغ الرثة ذاتها، مع قليل من البهارات العصرية.

في الشأن السوري كذلك، كان خطاب الإعلام الرسمي خلال مجازر الثمانينيات من القرن الماضي فاحشاً وشرساً ولا يقل بطشاً عن المدافع التي دكت مدينة حماة، ثم رأيناه يتجدد بصيغة عصرية لكنها محتفظة بجوهرها القديم، حول تصور أن كل مخالف أو معارض لسياسات النظام هو بالضرورة متآمر وعميل وجزء من مخطط عالمي لتصفية "النظام الممانع"، ورغم أن طوفاناً من المياه قد جرى تحت جسر الثورة السورية خلال ست سنوات، وحدثت تغيرات هائلة على معالمها، وانهارت دعاية المؤامرة الكونية على النظام، إلا أننا ما زلنا نفاجأ بأن مفردات الخطاب الإعلامي للنظام وحلفائه ما تزال هي نفسها، متجاهلة كم التغيرات التي ضربت مصداقيتها وهوت بتماسك قوامها.

لن نجد عناء كثيراً في اكتشاف أن هناك تضييقاً غير مسبوق على الخطاب المناوئ لما تنتجه آلة الاستبداد الإعلامية، وأن التزلّف إليها بدافع النفاق أو الخوف بات ظاهرة لم ينجُ منها حتى مَن يُفترض أنهم ألسنة الحق وحماته من دعاة وفقهاء.

أما في أزمة الخليج الأخيرة فالمفاجأة كانت مضاعفة، إذ انفتح الباب على مصراعيه دفعة واحدة على كم غير معقول من الرداءة وهشاشة المنطق وبؤس الادعاءات، وساد اعتناق جديد لقناعات أقل ما توصف به بأنها مغرقة في التخلّف والسخافة، ولم يكن الإعلام الرسمي وحده في ميدان التضليل هذه المرة، بل كان أمامه وخلفه جيش من المتطوعين الذين انخرطوا في معترك التحريض والشيطنة والتحشيد ضد بقايا قيم الشرف في الأمة، وليس فقط ضد عدوّهم الجديد، إلى درجة أننا صرنا نعدّ التضامن الكلامي المعلن مع قضية كانت محل إجماع كفلسطين موقفاً في غاية الشجاعة رغم أنه أمر عادي بل يمثل "أضعف الإيمان"، وفي المقابل لا نلاحظ استنكاراً عالمياً لعقوبة جائرة مثل السجن لمن يغرّد خارج سرب الإرادة الخليجية التي كرستها دول المقاطعة والحصار، ولمعنى أن يتم شطب كل مفهوم ضئيل للمعارضة ولو كانت بالرأي أو بتغريدة يتيمة على موقع (تويتر).

لن نجد عناء كثيراً في اكتشاف أن هناك تضييقاً غير مسبوق على الخطاب المناوئ لما تنتجه آلة الاستبداد الإعلامية، وأن التزلّف إليها بدافع النفاق أو الخوف بات ظاهرة لم ينجُ منها حتى مَن يُفترض أنهم ألسنة الحق وحماته من دعاة وفقهاء، ولنا أن نتخيل معنى أن تلوك ألسنة هؤلاء مفردات مثل "دعم الإرهاب" و"بثّ الفتنة" و"المساس بأمن البلد" في إطار هجومها على مخالفي أنظمتها، ومعنى أن ينجح الطغاة في مرحلة ما بعد الربيع العربي في بسط نفوذ أبواقهم الإعلامية وإعادة لجم الأفواه وتقييد الحريات، وكأن سيل الحرية الذي فاض قبل نحو ست سنوات وملأ الصدور شجاعة وأهال التراب على جدر الخوف قد عاد وانكفأ وابتلعته الرمضاء التي جففت ينابيعه، وشملت ببلائها كل ساحة مدّت عليها ظلها أو أنفقت عليها مليماً واحدا.

هذه الأزمات المتعاقبة التي أنتجت كل تلك الرداءة أهانت العقول الحرة كما لم تفعل من قبل، وقتلت آمال التغيير في مهدها، وكرّست واقع التبعية والتضليل والخنوع للطغاة من جديد، وهو ما يعني أن الحرية بمفاهيمها الواسعة وبآثارها وقيمها ما زالت بعيدة عن ضفاف عالمنا العربي، وتحديداً عن تلك الشطآن التي شكّل مال النفط معالمها وطبائع المتحلّقين حول ينابيعه.

إن الحرية الفعلية لا بد أن تسبقها حرية في الفكر والضمير، وقبل ذلك كله قناعة راسخة بضرورتها، وإدراكٌ للحاجة إليها كعامل مهم للارتقاء الفعلي لا الشكلي، والنهضة الشاملة، ومفارقة البداوة؛ بطبائعها وأعرافها وأصنامها، البشرية والفكرية والكلامية. ولا يبدو أن لحظة الانعتاق من تلك المخلفات قريبة جدا، فهذا ما تشي به على الأقل تجليات الأزمات الجديدة من حولنا، وتعامل المعنيين بها معها، وجهدهم القاصر في درء أخطارها.