​ماذا لو طبّعت أنظمة العرب علاقاتها مع الصهاينة؟

السبت 08 يوليو 2017 05:54 م بتوقيت القدس المحتلة

تطالعنا وسائل الإعلام المختلفة على مدى الأيام بنشاطات تطبيعية بين أنظمة عربية والكيان الصهيوني، وبزيارات مثقفين وكتاب عرب للكيان. وتنقل لنا أخبار النشاطات الصهيونية في بلدان عربية، خاصة ضمن مؤتمرات تُعقد في هذه البلدان ويدعى لها مختصون صهاينة وإعلاميون ومسؤولو أمن.

وهذه الوسائل لا تبخل علينا بتحليل الأضرار التي يمكن أن تلحق بالقضية الفلسطينية نتيجة هذه النشاطات. ومن الملاحظ أن التباكي على مكانة القضية وفير، وبث مشاعر الحزن والألم على شعب فلسطين مركّز. وفي أغلب الأحيان لا تقوم هذه الوسائل بدورها التوعوي الضروري لإبقاء جذوة رفض الشارع العربي للصهاينة مشتعلة.

هي نفسها تمالِئ الأنظمة العربية المطبعة وتستضيف المطبعين من الكتاب والمثقفين والمسؤولين السابقين واللاحقين، وقطعا من هذه الوسائل من لا يريد إغضاب الكيان الصهيوني وأميركا طمعا في مغانم قد تأتي بها الأيام. ويشكل رضا الكيان وأميركا مكسبا اقتصاديا وماليا جيدا إن لم يكن اليوم فغدا.

 

أبكار نزعات التطبيع

ماذا يمكن أن يحصل للقضية الفلسطينية إذا طبعت الأنظمة العربية أو لم تطبع؟ إذا استعرضنا المواقف الرسمية العربية عبر الزمن فلن نستطيع أن ننكر أن هذه الأنظمة قدمت مساعدات مالية جمة للشعب الفلسطيني، ووقفت مع القضية الفلسطينية في المحافل الدولية وفي ردهات المؤتمرات والأروقة.

حصل الشعب الفلسطيني -الرازح تحت الاحتلال- على مساعدات مالية ساهمت جزئيا في مساعدته على العيش، وكذلك قدمت دول عربية مساعدات مالية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.

وفي أوقات أخرى، قدمت دول عربية مثل مصر وسوريا والجزائر وليبيا مساعدات عسكرية وأمنية للفصائل الفلسطينية في قتالها ضد الكيان الصهيوني. لكن المساعدات العسكرية بقيت محدودة جدا وفي حدود عدم استفزاز الانتقام الصهيوني.

من ناحية أخرى، خاضت دول عربية حروبا مع الكيان الصهيوني لم تكن مخططة، وكانت ارتجالية وفهلوية وأشبه ما تكون بالمتاجرة بالقضية الفلسطينية. شنت الجيوش العربية البدائية عام 1948 حربا على دولة الكيان وفشلت فيها لكن ليس بسبب الفلسطينيين، بل لأن الجيوش العربية لم تكن مستعدة للحرب لا تنظيما ولا تدريبا ولا تسليحا، وكان عملها اعتباطيا.

فاروق (ملك مصر حينئذ) زوّد جيش بلاده بأسلحة فاسدة، وأما نوري السعيد (رئيس وزراء العراق) فغيّر القيادات الميدانية للجيش العراقي، وعيّن قيادات عسكرية تحمل توصية بالتراجع إلى محيط ما أصبح يعرف بالضفة الغربية، والملك الأردني عبد الله الأول أمر جيشه بالانسحاب من مدن اللد والرملة والقدس غرب. الشعب الفلسطيني لم يكن مسؤولا عن الهزيمة، ولم نتوسل إلى أحد ليحارب بالنيابة عنا.

وعلى العكس، شكل الفلسطينيون جيش الجهاد المقدس، وطلبوا أسلحة من الأنظمة العربية، لكن هذه الأنظمة قدمت ما يرد العين، ولم تقدم من الأسلحة ما يمكّن من القتال الفعلي. وفوق ذلك، أقام الفلسطينيون حكومة عموم فلسطين، وأعلنوا الاستقلال وشكلوا حكومة، لكن مصر قضت على الحكومة واحتجزت الحاج أمين الحسيني الذي كان يقود الفلسطينيين آنذاك.

كل هذا تم في أجواء تطبيع عربية مع الصهاينة. كانت هناك علاقات قائمة بين الملك عبد الله الأول وصهاينة مثل غولدا مائير التي أصبحت فيما بعد رئيسة لوزراء إسرائيل. وكذلك قامت هذه العلاقات بينهم وبين رئيس وزراء العراق نوري السعيد وملك مصر فاروق.

كان من المنطقي إقامة علاقات بين الصهاينة وأنظمة عربية لأن منشأ الطرفين واحد، وهو الاستعمار الذي صنع الأنظمة العربية وكان -ولا يزال- يأمرها فتأتمر، وهو الذي أقام الوطن القومي لليهود. لا يتمرد العبد على سيده خوفا على الامتيازات وحسنات المحافظة على الحكم.

الشعب الفلسطيني لا علاقة له بحرب عام 1967، ولم يطلب من الأنظمة العربية الاستعداد لحرب ولا لخوض معارك. اختارت الأنظمة العربية عام 1967 أن تقدم نصرا مجانيا للكيان الصهيوني مقابل سفك الدماء العربية، وكانت الهزيمة النكراء التي ما زال الشعب الفلسطيني -ومعه الشعب السوري- يعاني ويلاتها.

لم تكن الأنظمة العربية معترفة بالكيان الصهيوني ولا مطبعة معه في تلك الفترة، إلا الأردن الذي احتفظ دائما بعلاقات طيبة مع الصهاينة. من قادة العرب من أراد أن يبني أمجاده على جماجم الجنود العرب، ومنهم من كان يطمح لنقل عرشه إلى دمشق حتى ولو على حساب القدس والشعب.

لقد ورّطت الأنظمة العربية نفسها وورطت الشعب الفلسطيني. نحن وُلدنا مشردين، ووُلدنا تحت الاحتلال وما زلنا تحته، وأجيالنا تتحمل تبعات سوء التصرفات العربية.

لم تكن حرب عام 1973 من أجل شعب فلسطين أو من أجل تحرير فلسطين، وإنما كانت من أجل إزالة آثار عدوان 1967، فلا أزيلت الآثار ولا غاب الاحتلال. وعلى العكس، فقدت الأنظمة العربية المزيد من الأراضي، وكان التفاوض مع الصهاينة ثمنا للخروج من أراضٍ تم احتلالها في تلك الحرب.

وبسبب التطبيع والحرص على الصهاينة قام أحد ملوك العرب بإبلاغ الكيان الصهيوني بأن مصر وسوريا ستشنان حربا، دون أن يخبرهم بموعد الهجوم لأنه لم يكن على دراية به. أي أن المطبعين العرب غرروا بغير المطبعين الذين أصبح بعضهم فيما بعد ضمن دائرة التطبيع.

الأنظمة العربية لم تلتزم باتفاقيات الدفاع المشترك ولا بالتضامن العربي ولا بالعمل العربي المشترك، ولم تلتزم بقواعد مقاطعة الكيان الصهيوني والشركات العالمية المتعاونة معه. منذ أوائل السبعينيات؛ تستورد شخصيات أردنية مقربة من الديوان الملكي بضائع من الكيان، خاصة فيما يتعلق بأمور الزراعة ووسائل الري بالتنقيط.

وهناك دول عربية خليجية تسمح بدخول بضائع صهيونية إلى أراضيها وهي تعلم مسبقا أنها إسرائيلية مصدرة باسم شركات غربية. حتى المنتوجات الزراعية الصهيونية كانت تدخل الأسواق العربية تحت سمع وبصر الأنظمة الحاكمة. التطبيع التجاري كان قائما، وأحيانا التعاون السياسي والأمني والقضية الفلسطينية بقيت على حالها، بل أخذ نجمها الساطع يذوي رويدا رويدا.

الاتصالات العربية السرية مع الكيان الصهيوني لم تكن وحدها السبب في بداية ذبول القضية الفلسطينية، إذ كانت منظمة التحرير شريكا في التدهور حين فتحت خطوطا مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية ومن تحت الطاولة مع الصهاينة.

ومن المعروف أن فلسطينيين منضوين تحت مظلة منظمة التحرير كانوا يفتحون طرقا تفاوضية مع الكيان الصهيوني منذ بداية السبعينيات. فلا أجواء التطبيع حلّت القضية الفلسطينية ولا أجواء غياب التطبيع.

 

أوسلو ينشط التطبيع

نشط التطبيع مع الصهاينة بعد توقيع اتفاق أوسلو بين الصهاينة ومنظمة التحرير. لقد فتح الفلسطينيون بابا واسعا أمام الأنظمة العربية لتجاوز المحرمات القومية والدينية، وتحت غطاء وفّرته منظمة التحرير. غرق الفلسطينيون حتى آذانهم في التطبيع مع الصهاينة، وأخذوا ينسقون أمنيا بطريقة تعرض الأمن الفلسطيني للخطر لحساب الأمن الصهيوني.

تدحرجت كرة التمرد على المحرمات وأخذ الصهاينة يسرحون ويمرحون في الساحات العربية، ويشترون الأراضي خاصة في الأردن، الأمر الذي يشكل خطرا جسيما على الأردن وفلسطين والمحيط العربي عموما. لكن في هذه الأثناء خسر الصهاينة حروبهم ضد المقاومة العربية في فلسطين ولبنان.

لقد فشلوا في جنوب لبنان واضطروا للهرب أمام ضربات المقاومة عام 2000، وفشلوا في حربهم على جنوب لبنان عام 2006، ثم فشلوا في ثلاث حروب متتالية على غزة. فشل الصهاينة رغم أن التطبيع العربي وصل درجة التعاون الأمني مع بعض الأنظمة العربية بهدف القضاء على حزب الله وحركة حماس والجهاد الإسلامي ومختلف فصائل المقاومة.

لقد هُزم العرب عندما كان التطبيع بوتيرة منخفضة، وهزم الكيان الصهيوني عندما كان التطبيع بوتيرة متصاعدة. ومن المحتمل أن هزائم الكيان ستكون أكثر عمقا كلما عمقت الأنظمة العربية علاقاتها معه. بمعنى أن التطبيع لم يُجْدِ الكيان نفعا من الناحية العسكرية والأمنية، لكنه بالتأكيد يدرّ على الكيان أرباحا مالية كبيرة.

صحيح أن الأنظمة العربية قدمت أموالا للفلسطينيين، لكن من المشروع طرح السؤال التالي: من كان نصيبه من الأموال العربية أكبر.. القدس أم الملاهي الليلية في أوروبا؟ أرجو الحصول على إجابة من المواطن العربي العادي الذي لا يفقه في الأمور السياسية.

ومن ناحية أخرى، فإن أموال المساعدات لا تساعد وفق تجارب الأمم التي أرادت دائما تحسين أوضاعها بالهبات المالية والمساعدات، بل إن المنح والمساعدات تشجع الكسل والاعتماد على الآخرين.

ولولا المساعدات المالية لعمل الشعب الفلسطيني منذ سنوات طويلة على استغلال الأرض وزراعتها وإقامة اقتصاد مقاومة حقيقي. لكن للأسف لم تكن هناك قيادة تفقه في الاقتصاد المقاوم ولا في بناء اقتصاد متناسب مع ظروف أناس يقعون تحت الاحتلال.

إن رهان الفلسطينيين يجب ألا يكون على أنظمة عربية وإنما على أنفسهم وعلى الشعوب العربية. لقد أولى الكيان الصهيوني اهتماما كبيرا بالصلح مع أنظمة عربية على أمل أن يؤدي ذلك إلى التطبيع مع الشعوب، وقبول الكيان كجزء لا يتجزأ من المنطقة العربية الإسلامية. لكن الكيان فوجئ بأنه عقد اتفاقيات مع قيادات منفصلة عن الشارع العربي.

الجمهور العربي يرفض التطبيع، وفقط قلة قليلة من المنافقين والمستفيدين ماديا قبلت ما قبلت به الأنظمة العربية. الغالبية الساحقة من الشعوب العربية ترفض قبول الكيان الصهيوني، وهي مستعدة للقتال من أجل القدس والمقدسات إذا توافرت لها الفرصة.

وهذا هو شأن شعب فلسطين أيضا؛ هناك فلسطينيون سياسيون وأكاديميون ومسؤولون ورأسماليون انزلقوا في المستنقع، لكن الشعب ما زال يحافظ على وطنيته وانتمائه والتزامه.

ربما تنزلق حكومات عربية إلى التعاون العسكري مع الصهاينة خاصة فيما يتعلق بإيران، هذا ليس مستبعدا. لكن من المهم التذكير بأن موسوليني تحالف مع هتلر في الحرب العالمية الثانية، لكن وضع هتلر كان من الممكن أن يكون أفضل لو بقي بدون تحالف. إن تحالف أنظمة عربية مع الصهاينة لا يأتي بالضرورة بخير عليهم.

ولهذا أقول: طبّعوا كيفما شئتم، فتطبيعكم هذا سيوّلد التزاما عربيا شعبيا أكبر بالقضايا العربية.