الإعلامي المتسول

الإثنين 10 يوليو 2017 03:14 م بتوقيت القدس المحتلة

حين خرجتُ من غرفة التحقيقِ في النيابةِ العامةِ بمدينة نابلس في أواخرِ عام 2014، لم أكترث للأصفاد التي كانت بيد أفراد الأمن والمخابرات بانتظار اعتقالي، ولم أركز بمن أتى ومن لم يأتِ من الزملاء والأصدقاء للتضامن معي، كنتُ مشغولة بالتفكير في التهمة التي وُجهت إلي، وسؤال واحد يراودني: ما الطول المناسب الذي تريد السلطة أن يكون عليه لسان الصحافي في هذا البلد؟ ذلك أن التُهمة التي حركها جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية ضدي كانت "إطالة اللسان" و"قدح الرئيس" و"التطاول على مقامات عُليا" و"إثارة النعرات الطائفية".

مرت سنوات وبقي لساني على طوله، حتى إنني لم أستطع التحكم في نموه خاصة أن طوله كان يزداد طرديا مع تزايد العفن السياسي، والخراب الذي نهش القضية الفلسطينية، والمواقف المتخاذلة التي تتمنى لو كان لها وجه محدد لتبصق عليه، وحين عرف إعلاميون عرب عملتُ معهم خارج فلسطين هذه التهمة، ضحكوا طويلا، وعلقت مرارة الظلم في حلقي مع هذه الضحكات.

آخر صيحات السلطة الفلسطينية في ابتكار التُهم للصحافيين، والتي كان آخرها "الوجود في ظروف وأماكن مشبوهة" تحت بند "التسول"، وتندرج هذه التهمة ضمن المادة 389، الفقرة الخامسة، في قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960، تحت باب "التسوّل والسُكر والمقامرة"

أذكر أننا تحدثنا عن تفنن الأنظمة العربية في ابتكار التُهم للشعوب وبالأخص للصحافيين، فقد حدثني أحد الزملاء السوريين عن تُهمة "إضعاف الشعور الوطني" في سوريا، وحدثني إعلامي تونسي عمل في إيران عن تهمة "محاربة الله" هناك، فيما قال لي زميل مصري إن الحكومة المصرية ما زالت تعاقب بعض المواطنين بتهمة تشعر بفخامتها حين تسمعها وهي "مس رونق القضاء"، أما زميلي العراقي فقد قال لي إن العراقيين يُحاكمون حتى الآن بتهمة "المشاركة في قتل الحسين"، وذكر لي قصة حدثت مع مواطن عراقي خلال الحرب الأمريكية على العراق، حيث قام الجيش الأمريكي باقتحام منزله، وحين دخلوا حظيرة الحيوانات، قام ثور بنطح الجندي الأمريكي، ونتيجة لذلك اعتقلوا المواطن العراقي بتهمة "تحريض الحيوانات". 

حين ألتقي بزملائي من جديد سأحدثهم عن آخر صيحات السلطة الفلسطينية في ابتكار التُهم للصحافيين، والتي كان آخرها "الوجود في ظروف وأماكن مشبوهة" تحت بند "التسول"، وتندرج هذه التهمة ضمن المادة 389، الفقرة الخامسة، في قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960، تحت باب "التسوّل والسُكر والمقامرة"، وعقوبتها الحبس ثلاثة شهور كحد أقصى، أو الإحالة إلى مؤسسة معنية بالمتسولين تحت إشراف وزير الشؤون الاجتماعية، الذي يكون له الحق في الإفراج عن المتهم حسب الحالة.

المؤسف أن هذه التهمة لم توجه إلى مجرم أو صاحب سوابق، إلا أنه سبق وتم توجيهها إلى أربعة من نشطاء حركة المقاطعة BDS بعد اعتقالهم على خلفية معارضة حفل لفرقة هندية قدمت عرضا في تل أبيب عام 2014، لكن هذه المرة وُجهت من جديد إلى الصحافي جهاد بركات مراسل فضائية فلسطين اليوم، والمعروف بأخلاقه الرفيعة وتفانيه بالعمل ومهنيته العالية، وجهت إلى فلسطيني يتعرض كل يوم لتنكيل وضرب واعتداء من قبل الاحتلال الإسرائيلي أثناء ممارسته لعمله الإعلامي وتغطيته للمواجهات والانتهاكات الإسرائيلية.

سبب هذه التهمة هي محاولة جهاد تسليط الضوء على الذل الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني بما فيه رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، والذي كان يخضع لتفتيش على حاجز عسكري إسرائيلي من قبل جنود الاحتلال، ولسوء الحظ كان جهاد موجودا في نفس المكان الذي تقول التُهمة إنه "مشبوه" وهو "حاجز عناب العسكري"، وبكل عفوية ومن منطلق واجبه الإعلامي في توثيق الأحداث، قام بتصوير مشهد تفتيش موكب رئيس الوزراء على هاتفه الشخصي، وعينه لم ترَ إلا النور، حيث باشر حرس رئيس الوزراء باعتقاله فورا وتسليمه للأمن الوقائي في طولكرم، وخضع لعدة جلسات تحقيق قبل أن يتم نقله إلى النيابة العامة في رام الله.

خرج جهاد بركات بعد ثلاثة أيام من اعتقاله، وكان خروجه بكفالة مالية وبأمر سياسي وبقرار من النائب العام دون الرجوع إلى ملفه القضائي، وهذا ما يدل على أن الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافي الفلسطيني ما هي إلا نتيجة مناكفات سياسية، ولا أحد يعلم في أي وقت تغضب السلطة من جهاد وتُحرك القضية التي لم تُغلق بشكل قانوني ضده، تماما كما حدث معي حين تم الإفراج عني لحين استكمال التحقق من الأدلة التي ما زالوا يبحثون عنها حتى اللحظة. خرج جهاد لكننا لم نخرج من تقصيرنا، ستندهشون وتقولون ما هذا الافتراء، نحنُ لم نقصر وبذلنا جهدنا.

تعلمت من التجربة العملية أن كل الزملاء الذين كان يتم اعتقالهم خرجوا فور تنظيم وقفات معهم وبضغط من الصحافيين على أرض الواقع، وهذا ما حصل مع جهاد ومع زملاء سابقين

نعم أصدقائي، جهودكم كانت جميلة ورائعة، لكنها ستظل ناقصة طالما هناك صحافي واحد ما يزال معتقلا. قضية جهاد لم تنتهِ، تحولت للمحكمة وهذه المرحلة هي الأصعب، وما زال الصحافي أحمد الخطيب معتقلا، فلماذا توقف تحرككم هنا؟ لماذا لا تعتصمون أمام سجونهم؟ أم أن شعبيتهم وعلاقاتهم الإعلامية ليست كافية لمثل هكذا تحرك؟ ألم يشغل بالكم غياب زميلنا فؤاد جرادة منذ شهر في سجون غزة؟ وماذا عن زميلنا عامر بعلوشة المضرب عن الطعام لليوم السابع على التوالي بعد تمديد اعتقاله 15 يوما بتهمة سخيفة وهي اساءة استخدام التكنولوجيا؟ أي إساءة في هذا العالم أكثر مما نحنُ فيه؟ أي إساءة أكبر من إشغالنا بهموم زملائنا بدلا من أن ننشغل بالاحتلال ومقاومته؟ أي إساءة أكثر من أن تجلس على كرسي التحقيق مقابل ابن بلدك، يحاسبك على حقك في التعبير عن رأيك؟ أي إساءة أكثر من أن نكون ضمن قطيع "الذين فقدوا حقهم بالكلام"؟.

يجب الوقوف قليلا على دورنا نحن الصحافيين في مساعدة هؤلاء، فمن الخطأ إبقاء الغضب والتضامن عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهاشتاغ "# وين_فلان "، ذلك أن هناك صحافيين لا توجد لديهم علاقات قوية بالوسط الإعلامي ليتم تنظيم وقفة قوية كالتي حصلت مع الزميل جهاد، ومن قال إن هاشتاغا يستطيع أن يحررهم فهو مخطيء، مع قناعتي بجدوى الأمر إلا أنه غير كافٍ على الإطلاق، وقد تعلمت من التجربة العملية أن كل الزملاء الذين كان يتم اعتقالهم خرجوا فور تنظيم وقفات معهم وبضغط من الصحافيين على أرض الواقع، وهذا ما حصل مع جهاد ومع زملاء سابقين، وهذا ما لم يحصل حين اعترضنا على حجب السلطة للمواقع الإلكترونية عبر وسائل التواصل دون أن يرافق الأمر تحرك في الشارع.

نحن على قناعة تامة بأن الشهداء والمناضلين والأسرى هم فقط أصحاب المقامات العليا التي لا نسمح لأحد بالتطاول عليها، ولن يكون السياسيون أصحاب مثل هذه المقامات، لن يتوقف لساننا عن النمو، ولن نكترث كثيرا لمثل هذه التُهم التي تهدف إلى إخراسنا

إن السبب وراء تمادي السلطات والاحتلال الإسرائيلي في اعتقالنا وإهانتنا هو الفكر الذي نحمله والذي من المتوقع أن يُترجم لاحقا إلى عمل يضر بهم، ولنفس السبب قال ضابط المخابرات الإسرائيلي أثناء تحقيقه مع ابن شقيقي حين كان أسيرا" إننا نتابع كتابات عمتك جيدا ونلمس قوتها"، لأنهم يحملون عقلية جولدا مائير التي قالت عند اغتيال غسان كنفاني: "اليوم تخلصنا من لواء فكري مسلح، فغسان بقلمه كان يشكل خطرا على إسرائيل أكثر مما يشكله ألف فدائي مسلح".

في المقابل، نحن على قناعة تامة بأن الشهداء والمناضلين والأسرى هم فقط أصحاب المقامات العليا التي لا نسمح لأحد بالتطاول عليها، ولن يكون السياسيون أصحاب مثل هذه المقامات، لن يتوقف لساننا عن النمو، ولن نكترث كثيرا لمثل هذه التُهم التي تهدف إلى إخراسنا، فليست لدينا طوائف لنثير النعرات فيها، ولا نملك "مقدح" نزعج به راحة الرئيس، وأخلاقنا لا تسمح بالتطاول على أحد إلا بالحق، فإذا كان الحق يوجعكم فسنظل "نضع نصل الصدق الجارح على رقابكم".