وحرية التعبير "لا تقرّ لهم وِصالا"!

الأربعاء 12 يوليو 2017 05:44 م بتوقيت القدس المحتلة

لنتفق بداية على أنه ما من سلطة سياسية عربية تحترم حق مواطنيها في التعبير عن آرائهم، ومعارضة نهجها، أو انتقاده وبيان عواره، وأن القمع عُرف عربي عابر للعصور، حتى ليكاد المرء يحسبه جيناً وراثياً لا فكاك منه، ربما باستثناء ما حدث في العهد القصير للرئيس المصري محمد مرسي، حيث شاهدنا في عهده حرية بلا حدود أو ضوابط، وصل معها الحال إلى حد مهاجمة القصر الذي كان يقيم فيه ورشقه بالزجاجات الحارقة وكتابة الألفاظ النابية على جدرانه، ورافق ذلك كله إعلام غير مقيّد ويحظى بحرية مطلقة في المعارضة والهجوم والانتقاد.

لكن المفارقة أن ذلك العهد القصير كان يوسم بالظلامية، فيما يتهم مرسي بهتاناً بممارسة القمع ضد مخالفيه، أي أن الحالة العربية شبه الوحيدة التي احترمت حرية التعبير ولم تقمع الرأي المخالف اتهمت بعكس ما انتهجته، ويمكن قول الشيء نفسه -وإن بدرجة أقل- عن قناة الجزيرة، فالقناة التي قامت سياستها على ركيزة (الرأي والرأي الآخر) تتهم اليوم ومعها الدولة التي تحتضنها بسيل لا آخر له من اتهامات التضييق على الآراء والحريات، رغم أن معارضي القناة كانوا يشتمونها حتى وهم ضيوفها ويتكلمون من خلال منبرها، كما يحدث مع شبيحة النظام السوري وسفهاء الإعلام المصري الذين ما تزال تتواصل معهم القناة لعرض آرائهم من خلال منصاتها.

في المقابل، نجد أن أكثر الأنظمة تغنياً بقيم الديمقراطية وحرية التعبير وادعاء إتاحتها هي التي تمارس إقصاءً وقمعاً شديدين ضد مخالفيها، ولا تتسع فضاءاتها المختلفة إلا للون واحد وصوت واحد يعبّر عن سياساتها وحسب، ويروّج لتجاوزاتها حتى لو كانت جرائم، ويبرر سقطاتها المختلفة، أو يمارس حياداً مائعاً تضيع معه الحقائق ويتشوه عبره الوعي العام.

كأنما تريد قيادة السلطة الفلسطينية بمثل إجراءاتها القمعية تلك أن تقول إن القهر الذي يمارسه الاحتلال علينا والذي لا نملك له رداً ولا حتى إبداء التذمر منه سنمارسه بالضرورة على من نملك ترهيبه بسطوتنا الأمنية

في مراحلها المختلفة منذ تأسيسها، لم تكن السلطة الفلسطينية بمعزل عن ذلك التناقض، إذ بقدر ما حرصت على تصدير صورة موهومة عن نهجها المتعلق بالحريات، وادعائها بصونها، فإنها أخفقت دائماً في رعايتها واحترامها، ولو ضمن الحدود الدنيا في كثير من الأحيان، فبينما كانت تزعم عبر أذرعها الإعلامية والسياسية بأن الحرية في مناطق السلطة الفلسطينية سقفها السماء، كنا نعاين ما ينسف ذلك كله، ويؤكد بأن الحرية تحدّها سياسات أجهزتها الأمنية من جهاتها الأربع، وتفصلها حسب مقاسها الذي يستوعب كل شيء من افتراء وتملق وتسويق للأوهام، ويضيق عن الحقيقة المجردة والرأي الحر والمعارضة في أبسط تجلياتها.

صحيح أن مشكلتنا مع السلطة أكبر بكثير من قضية الحريات، وأن قمع هذه الأخيرة يعدّ جريمة خفيفة العيار مقارنة مع خطيئة التعاون الأمني مع الاحتلال الذي تأسست السلطة على قواعده، وظلّ موجّهاً لها في كل حالاتها، ومهما تغيّر قادتها، إلا أنها حتى في هذا الجانب (أي موضوع الحريات) تتبارى مع نظيراتها العربية في خنقها وإخضاعها، وكان آخر (بطولاتها) في هذا المجال منعها بالقوة إقامة مؤتمر (ديوان فلسطين الأول) في رام الله، الذي كان قد تم التحضير له بمبادرة شبابية غير حزبية، أضف إلى ذلك اعتقال الصحفي جهاد بركات بسبب تصويره رئيس حكومة السلطة خلال تعرضه للتفتيش على أحد الحواجز الإسرائيلية في شمال الضفة الغربية، وقبل ذلك حجب عدة مواقع إلكترونية معارضة، ثم شرعنة قانون الرقابة الإلكترونية بلا أي مسوّغ قانوني.

كأنما تريد قيادة السلطة بمثل إجراءاتها تلك أن تقول إن القهر الذي يمارسه الاحتلال علينا والذي لا نملك له رداً ولا حتى إبداء التذمر منه سنمارسه بالضرورة على من نملك ترهيبه بسطوتنا الأمنية، أي المواطن الفلسطيني، لأنه من الخطر أن يشعر هذا المواطن بأن هيبة السلطة منقوصة، وأن سيادتها المزعومة تتمرغ في الوحل بمجرد امتلاك مجند صهيوني صلاحية تفتيش أكبر زعيم في هذه السلطة خلال مروره على أحد الحواجز العسكرية التي تقطّع أوصال الضفة الغربية وتسقط كل ادعاءات السيادة.

إن شدة القمع تتناسب طردياً مع تصاعد أزمة أي سلطة سياسية، ومع ارتعاد أطرافها من رياح التغيير، ومع عدم اطمئنانها لمتانة الأسس التي قامت عليها

وهنا لا بد من تعويض عقدة النقص الناشئة عن هذا الإذلال الصهيوني بالاستقواء على الطرف الأضعف والجرأة في تلفيق الاتهامات له حتى وإن كانت مستهجنة ومجافية للمنطق، مثلما أنه لا بد دائماً من تأكيد رسالة البطش والقدرة عليه، وليس مهماً أن يشعر المواطن بأن القانون فوق الجميع، بل المطلوب أن يدرك أنه تحت بساطير عناصر هذه الأجهزة، وأنه قابل للتشكيل حسب رغباتهم، وبما يخدم سياسات القمع القائمة.

يقول شاعر عربي: "وكل يدّعي وصلاً بليلى.. وليلى لا تقرّ لهم بذاكا". وذاك هو تماماً حال سلطات الاستبداد والبطش مع حرية التعبير، حين يدّعون صونها ولا يُتيحونها، ويتغنون بها لكنهم يغدرون بمن يمارسها، حتى تضيق مفاهيمها لتتخذ شكل القوالب الجامدة التي تحددها هذه السلطات، لمن يودّ أن يكتب أو يتكلم، أو يخطب على منابر الجمعة، أو يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي.

أما التاريخ فيقول إن شدة القمع تتناسب طردياً مع تصاعد أزمة أي سلطة سياسية، ومع ارتعاد أطرافها من رياح التغيير، ومع عدم اطمئنانها لمتانة الأسس التي قامت عليها. وإن اعتقادها الخفي بوهن أركان بيتها سيدفعها تلقائياً إلى لجم كل من يقصده ناقداً، لأن أنفاس كلمة واحدة قد تهوي به، أو ربما صورة تجسّد حقيقته، وهشاشة بنيانه، وبؤس واقعه.