حول الأقصى.. أمناء وسفهاء

السبت 15 يوليو 2017 06:04 م بتوقيت القدس المحتلة

الحديث عن ميمونة، وهي غير زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس، فقال: "ائتوه فصلوا فيه"، وكانت البلاد إذ ذاك حربًا، "فإن لم تأتوه وتصلوا فيه، فابعثوا بزيت يسرج في قناديله". وليس من جملة مهام هذه المقالة مناقشة أمر صحة الحديث من جهة إسناده، أو تفنيد قول القائلين بنكارته من جهة متنه، ولكنه يصلح مفتتحًا للقول إن هناك من لم يزل يسرج دمه في سماواته.

والحق أن ما ثبت من فضائل بيت المقدس، ومنه المسجد الأقصى خصوصًا، أوسع من أن تحيط به مقالة، ومن أثبتها ما قرّره الكتاب من بركة للمسجد الأقصى وأنه غاية الإسراء، ثم ما شرّعته السنة من فضل الصلاة فيه، وشدّ الرحال إليه.

يتصرف المسلمون، والعرب في قلبهم، وهم مادة الإسلام، وألصق المسلمين مكانًا بالأقصى، يتصرفون وكأن فلسطين خالية من هذه القداسة التي جُعلت لهم في كل حين وآن، لا لسكان البلاد وحدهم، حتى والمسجد في حكم الروم

 

وإن كان الحال كذلك مقطوعًا به ولم يزل بعد المسجد في حكم الروم، وفيه الصلبان والتماثيل، فليس ثمة نكارة في أمر إرسال الزيت إليه يسرج في قناديله، وحتى لو كان الزيت منبعه بلاده لا الحجاز؛ فالأمر على أصل مسجديته وقداسته التي لا تزول بتدنيسه، وقد كان قبلة المسلمين، وعلى علم النبي بفتحه ومآله، ولكن أيًّا كان الأمر، فقداسته وبركته وفضل الصلاة فيه كل ذلك ثابت لا يعوزه مزيد من حديثه صلى الله عليه وسلم.

كان كلام النبي، صلى الله عليه وسلم، في جملة كلامه، عن المسجد الأقصى، مبينًا أمره بالنسبة للمسلمين، وهو لم يزل بعد في حكم الروم، وذلك لا يعني إلا أن أمر هذا المسجد ثابت لا يزول بأي طارئ، وإنما الزوال للطارئ عليه، وذلك كلّه والمسلمون على حالهم الأول، وقبل اختراع الوطنيات القائمة الآن، والتي عمرها عقود من سنوات فحسب، بيد أن الفلسطينيين وحدهم الذين على الحقيقة يدافعون عنه، لا يسرجون الزيت في قناديله، ولكنهم يسرجون دماءهم في سماواته.

والحال هذه، يتصرف المسلمون، والعرب في قلبهم، وهم مادة الإسلام، وألصق المسلمين مكانًا بالأقصى، يتصرفون وكأن فلسطين خالية من هذه القداسة التي جُعلت لهم في كل حين وآن، لا لسكان البلاد وحدهم، حتى والمسجد في حكم الروم، فنقاشهم كله، حول القضية الفلسطينية مجرّد تمامًا من أمر المسجد وواجبهم نحوه، وذلك غالبًا مقصود لأنه ينقض كل ادعاءاتهم بخصوص القضية الفلسطينية.

ولو أخذنا مقارباتهم للقضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة فحسب، لوجدناها تنقسم إلى مقاربتين زائفتين ضالتين. والحديث هنا عن السلطات السياسة التي تهيمن على المجال العام في البلاد العربية، فتشتغل على إعادة هندسة وعي شعوبها، وتحول بين الشعوب وواجبها تجاه مقدّساتها.

أمّا المقاربة الأولى، فهي تلك الرسمية المعلنة التي تتوخى الرصانة المخاتلة، فتزعم أن أصحاب القضية قد رضوا بالقليل من حقهم، وأن العرب لن يكونوا أوصياء عليهم، ولا ملوكًا أكثر من أصحاب الشأن، وهي مقاربة كاذبة، تستند إلى مغالطة مفضوحة، يمكن تبيانها في ثلاث نقاط.

اليوم يجدُ بعض العرب أنفسهم في أحوج ما يكون للتطبيع مع محتلّي المسجد الأقصى، وفي وقت تتكثف فيه جهود الصهاينة لتقسيمه، ففي السنوات الأربع الأخيرة تتصاعد جهودهم لفرض وقائع جديدة فيه

 

الأولى: أن هذه المغالطة تتعمد إقصاء المسجد الأقصى عن الصورة، فطمس المسجد، أو محاولة تهويده، أو هدمه، أو تقسيمه، أو إحلال مكان عباد لليهود فيه؛ جهود عربية بقدر ما هي جهود صهيونية، إذ إن إقصاء المسجد من المقاربة العربية الرسمية لا يعني في المحصلة إلا طمسًا له، وهو ما يفعله الصهاينة، وسبب هذا الإقصاء هو التغطية على حقيقة مواقف السلطات العربية الرسمية، ولاسيما بعض المشرقية منها، فالمسجد الأقصى ليس شأن الفلسطينيين وحدهم، كي تُتخذ خيارات الفلسطينيين ذريعة للتخلي عن القضية الفلسطينية.

الثانية: أن خيارات الفلسطينيين المشار إليها في هذه المقاربة الرسمية، هي خيارات قيادتهم المتنفذة، وهي -أي تلك الخيارات- على علاتها وسوئها وخطورتها، لم تتنازل بعد عن المسجد الأقصى، ولكن الأهم في ذلك، أن هذه الخيارات لم تكن في جانب أساسي منها، لولا خذلان العرب، ومحاصرتهم لمقاومة الفلسطينيين، ودفعهم تلك القيادة المتنفذة إلى هذه الخيارات المدمّرة.

الثالثة: أنه ورغم ذلك كلّه، لم يزل الفلسطينيون، وحدهم، الذين يقاتلون بلحمهم ودمائهم، لأجل المسجد المقدس لدى المسلمين، ويكفي أن نذكر بعضًا من العناوين الكبرى في نضالاتهم، (هبة البراق، مجزرة المسجد الأقصى، انتفاضة الأقصى، انتفاضة القدس...)، وإن كان المطلوب من العرب في أصل الأمر، والحديث دائمًا عن السلطات، العمل على تحرير المسجد الأقصى، أو في أضعف حالاتهم دعم مقاومة أهل فلسطين، فقد صار المطلوب الآن، في لحظتهم الأشد رداءة وبؤسًا الكفّ عن التآمر على فلسطين وأهلها وشعبها ومقاومتها!

أمّا المقاربة الثانية، فتلك الشعبوية التي تشتغل بأوامر أجهزة المخابرات، وهي شائعة اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي، وقد سبق لي الحديث عنها في مقالات سابقة. أي تلك التي تتهم الفلسطينيين ببيع أرضهم، في أي مناقشة تتعلق بفلسطين، حتى لو تعلق الأمر بالمسجد الأقصى، الذي يُفترض ألا يمسّ بواجب المسلمين نحوه، والعرب في قلبهم، بيعُ الفلسطينيين لأرضهم، على فرض صحته، أو حتى بيعهم للأقصى نفسه، لو حصل، ولن يحصل.

 بعد عملية المسجد الأقصى التي جرت صباح الجمعة يثور نقاش في أوساط الفلسطينيين حول الجدوى والمكان، وإن كانت هذه العملية من شأنها أن تُتخذ ذريعة لتقسيم المسجد. الدوافع ليست واحدة من هذا النقاش، بيد أن هناك من ينطلق من خشية حقيقية وغيرة صادقة

 

وهذه المقاربة، دنيئة إلى حدّ يُعجز المرء عن وصفه، إذ لا يتورع مخبرو اللجان الإلكترونية، عن اتهام الفلسطينيين ببيع أرضهم، حتى ودماء الفلسطينيين تسفك في ساحات المسجد الأقصى دفاعًا عنه؛ بأبسط الأدوات البدائية التي يمكن للفلسطيني أن يكدّ لامتلاكها، بينما يسفر العربُ عن قدرات ضخمة للضغط على الغرب، ولكن لأسباب رخيصة وتافهة، أو لأسباب متعلقة بصراعتهم البينية، لا لحماية المسجد أو الدفاع عنه!

طبعًا، لن يفوتنا هنا أن نذكّر، أن مثقفًا من نوع يوسف زيدان، أشغل نفسه لإنكار وجود المسجد الأقصى في فلسطين، متكئًا على أطروحات صهيونية استعمارية استشراقية متهالكة. الشاهد أن المثقف هنا، تمامًا، في موقع مخبر، من رتبة مخبري اللجان الإلكترونية، وفي وظيفة التمهيد لتصفية القضية الفلسطينية، بتذليل أكبر عقباتها، أي المسجد الأقصى.

اليوم يجدُ بعض العرب أنفسهم في أحوج ما يكون للتطبيع مع محتلّي المسجد الأقصى، وفي وقت تتكثف فيه جهود الصهاينة لتقسيمه، ففي السنوات الأربع الأخيرة تتصاعد جهودهم لفرض وقائع جديدة فيه، وعلى نحو غير مسبوق منذ احتلاله، وإن كنّا تساءلنا في مقالة سابقة عن السرّ الذي يحوج ذلك البعض للكيان الصهيوني وهو بعض ثري ولا يحاذي فلسطين، فلنا أن نسأل الآن، كيف يمكن لأي أحد أن يدّعي خدمة الحرمين، وهو يسعى للتطبيع مع محتلّ المسجد الثالث، ومانع الصلاة فيه؟ فإن لم يكن الأمر كذلك، فلنا أن نسأل عن سبب تشغيله لجانه الإلكترونية للطعن في شعبنا ومقاومتنا وطمس المسجد الأقصى؟!

اليوم، بعد عملية المسجد الأقصى التي جرت صباح الجمعة، 14 تموز (يوليو) يثور نقاش في أوساط الفلسطينيين حول الجدوى والمكان، وإن كانت هذه العملية من شأنها أن تُتخذ ذريعة لتقسيم المسجد. الدوافع ليست واحدة من هذا النقاش، بيد أن هناك من ينطلق من خشية حقيقية وغيرة صادقة، وهذه المسألة، أي مسألة الجدوى والزمان والمكان، تستحق بسطًا خاصًّا، لكن يكفي الفلسطيني أن يتذكر، أنه ورغم كل ما يمكن قوله بخصوص مقاومته، ووجهات النظر حول بعض تفاصيلها، أنه، في واقع العرب سابق التوصيف، وحده، بمقاومته، الذي أبقى المسجد مفتوحًا للمسلمين حتى اليوم، فلا يتصورنّ شيئًا آخر، فلم يكن ثمة ما يمنع من تقسيم المسجد أو هدمه، إلا الخشية من هذا الشعب الذي لم يزل يسرج دمه في سماواته!