فلسطينية في الانقلاب التركي

الأحد 16 يوليو 2017 03:24 م بتوقيت القدس المحتلة

الخامس عشر من تموز لعام 2016، كانت ليلة صعبة طُرحت بها كل الاحتمالات بما فيها الموت الذي اقترب مني كأي مواطن يعيش في تركيا، ولكن خصوصية أن تعمل في فضائية حكومية مثل الـ TRTوالتي تُعتبر الهدف الأول للانقلابين، زاد من احتمال الخطر، خاصة أن أول عمل قاموا به هو اقتحام مبنى التلفزيون في أنقرة والمقر الذي أعمل به في إسطنبول، بعد سيطرتهم على البث.

كل ما حدث في تلك الليلة كان خارج نطاق الاستيعاب، وربما تسارع الأحداث من قبل الانقلابين وسرعة تداركها من قبل الحكومة التركية جعلني أشعر أنني أعيش في فيلم قصير سُيطر فيه على تركيا وتم استردادها خلال ساعتين، وهذا ما ظهر فعليا عبر وسائل الإعلام، لكن الواقع يختلف قليلا، فقد احتاج التخلص من الانقلابين إلى وقت طويل بعض الشيء، واستمر حصار مبنى القناة حتى صباح اليوم التالي، ففي الوقت الذي تمكن فيه بعض الزملاء من الوصول إلى مبنى الـTRT في إسطنبول تلبية لدعوة إدارة القناة التوجه إليها، كنتُ ما زلتُ محاصرة في منزلي لا أستطيع الخروج منه، بعدما عانيت قبل الوصول إليه.

في تلك الليلة خرجتُ من العمل مساءً قبل بضع ساعات من اقتحام مبنى القناة، وذهبت إلى مطار أتاتورك لاستقبال صديقتي الإعلامية الفلسطينية جيهان عوض، وحين جلسنا للعشاء بدأت الرسائل تصل إلى هواتفنا تفيد بإغلاق الجسور التي تصل الجانب الآسيوي بالأوروبي، اعتقدت في البداية أن هناك حدث أمني أو اشتباه بعمل إرهابي، وطلبتُ من صديقتي التوجه إلى البيت فورا خشية حدوث أي عمل إرهابي، لكن ما إن تواصلت مع زملائي في العمل حتى عرفت بحدوث الانقلاب. صدقا لم أشعر كيف حصل هذا الانقلاب، خلال ساعة واحدة، كنا نتحرك من مكان إلى آخر فيغدو المكان الذي غادرناهُ مغلقا بالمدرعات، الكثير من الشوارع فارغة، المواصلات متوقفة، الجميع على عجلة من أمره.

في الحرب، أسوأ شعور يمكن أن يصيبك هو ذلك العجز الذي ينتابك عند ردك على اتصال أصدقائك فتسمع مع صوتهم دوي انفجار قذيفة وهي تسقط بجانبهم، ومن ثم ينقطع الاتصال ولا تعرف هل أصبحوا شهداء أم جرحى أم مشردين.

حين وصلنا إلى الحي الذي أسكن به لم نستطع الدخول إليه من الشارع الرئيسي الذي كان مغلقا، تحدثت مع الجنود الموجودين هناك، أخبرتهم بأن منزلي قريب وأنه يتوجب عليّ الوصول إليه، لكنهم رفضوا السماح لنا بالمرور، ولم نكن نعرف مع من نتحدث، مع الانقلابين أم مع الجنود التابعين للحكومة التركية، وقد احتاج الأمر إلى عدة ساعات حتى تمكنا من الوصول إلى المنزل، ولولا معرفتي بالأزقة التي ذكرتني بالطرق الالتفافية التي كُنا نسلكها حين كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يُغلق مداخل المدن، لما استطعنا الوصول إلى البيت.

ماذا تتوقعون من صحفيات فلسطينيات يعشن في أجواء انقلاب؟ كان صوت فضولنا الصحفي يعلو على صوت الرصاص الذي نسمعه، ودفعنا ذلك لتصوير ما شاهدناه، ورغم الشوارع المُغلقة والمدرعات المنتشرة فإننا وثقنا ما رأيناه وقمنا بتصوير الناس وفزعهم والشوارع الفارغة وتوسلات المواطنين للجنود كي يسمحوا لهم بالمرور إلى منازلهم، فيما تسللنا إلى بعض الأحياء وصورنا كيف هرع الأتراك إلى البقالات من أجل شراء الخبز والمواد الغذائية، حيث اعتقدوا أنهم مقبلون على أسوأ المراحل في تركيا، وهي حكم العسكر والحصار.

أن تعيش مثل هذه التجربة بكامل تفاصيلها ومخاطرها يعني أن تُجبر على التفكير بطريقة مختلفة، تحضر المقارنات إلى ذهنك فورا، وتنعدم قدرتك على المجاملة في اتخاذ موقف ما، فمن جانب كنتُ الصحفية التي اعتمدت عليها الكثير من وسائل الإعلام الفلسطينية في نقل ما يحدث في تركيا، ومن جانب آخر كان عليّ الفصل بين حياتي الشخصية ورأيي بما يحصل وبين ما أملكه من معلومات بحكم عملي في فضائية تركية، ومع صعوبة ما كنا نعيشه أثناء عملنا، فقد علمتني هذه التجربة كيف أكون دقيقة بشكل هستيري في نقل المعلومات في مثل هذه المراحل الحساسة، استطعت أن أكتشف تفاصيل لم أكن لأعرفها لولا عملي في وسيلة إعلام حكومية، ومتى يحق لك الحق النشر ومتى يجب أن تمتنع عنه، وكيف تحافظ على التفاصيل التي تعرفها ويُطلب منك عدم نشرها بعيدا عن رأيك الشخصي.

في المقابل، اكتشفت أن العمل لأي قضية في العالم لا يقارن بمتعة العمل للقضية الفلسطينية، تذكرت حرب غزة عام 2014، حين كنت أظل مستيقظة لأيام من أجل متابعة تطورات الأحداث، كانت شهيتي منقطعة عن كل شيء إلا عن العمل لأجلهم، وكنتُ أخاف في ظل الإبادة التي تمارسها إسرائيل بحقهم أن يأتي يوما لا أكتب فيه خبرا مفاده أن عدداً مِنهُم قد مات، بل بضعاً مِنهم بَقوا على قَيد الحياة. كنت مستعدة للعمل تحت القصف هناك، وكان للأرق طعم آخر وترقب مخيف ولذيذ لم أذقه في ليلة الانقلاب في تركيا.

الألم والقسوة أثناء حرب غزة كانت مختلفة تماما، كنتُ وقتها أصل إلى مرحلة أتعب فيها من كل شيء، تعبت حتى دون أن أجرب الموت بسبب صاروخ يقطعني إلى أشلاء كما قطع أطفال غزة، تعبت من أصوات الموتى ونظراتهم ومن صرخات الخائفين، تعبت من نفسي ومن الناس ومن أصدقائي وغضبي وانتظاري وذاكرتي وغيابهم وقلة حيلتي وعملي ومهنتي وقلبي، تعبتُ من حزني وضجري وقلقي واسمي، من حقدي وابتسامتي، تعبت من طريق لم أدرِ متى نصل إلى آخره، تعبت من صور الشهداء ومن صوتي الذي لا يكف عن الصراخ، ومن روحي التي تشتاق إلى شهيد لا تعرفه، تعبت من كوني "أنا هي أنا" ولا أستطيع أن أكون أخرى، تعبت من عجزي عن الكتابة وعن عمل أي شيء سوى متابعة الأخبار رغم يقيني بأنني سأكون ذات يوم "فحوى خبر". كنتُ قد تعبتُ وقتها من كل شيء يعيدني إلى وطني وأنا فيه، وتعبت من خجلي لأنني كنتُ أكتب وقتها أنني تعبت.

في الحرب، أسوأ شعور يمكن أن يصيبك هو ذلك العجز الذي ينتابك عند ردك على اتصال أصدقائك فتسمع مع صوتهم دوي انفجار قذيفة وهي تسقط بجانبهم، ومن ثم ينقطع الاتصال ولا تعرف هل أصبحوا شهداء أم جرحى أم مشردين. وأجزم أنه لا توجد مدينة علمتني كيف أحزن مثل غزة، هذه المدينة التي أقفلت شهيتنا عن الفرح وفتحت شهيتنا على الحُب، أجبرتنا أن نُحب كل شيء فيها حتى الحُزن.

ما يحدث في المسجد الأقصى هو بمنزلة خزي وعار على كل مسلم، فبينما ينتقد البعض العملية المسلحة التي كانت رد فعل طبيعيا على الحصار والتهويد والاستيطان والقمع والاقتحام الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي كل يوم في القدس.

"احمل بلادكَ أينما ذهبت وكن نرجسيا إن لَزمَ الأمر".. هذا ما فعلته دون أن أشعر، حين كان الضيق ينتابني لا إراديا من بعض الفلسطينيين الذي ذهبوا إلى حد رغبتهم في النزول إلى الشوارع والموت من أجل قضية ليست قضيتهم، بينما لديهم وطن ينتظر حياتهم وعملهم من أجله، لديهم أقصى أغلقه الاحتلال الإسرائيلي لأول مرة منذ عام 1969 ومنع فيه الصلاة، ولغاية الآن لم يُرفع الآذان فيه، بعد إغلاقه بشكل كامل وتفتيشه بدقة ودهم مكاتب الأوقاف والحرس والعيادات والمكتبات والمتحاف والمآذن، ووصل التجاوز إلى تفتيش قبة الصخرة أكثر من خمس مرات وتكسير الأبواب وربما زرع كاميرات المراقبة، فيما أعلنت الأوقاف الإسلامية فقدها السيطرة بالكامل على الأقصى، في المقابل يكتب الإعلام الإسرائيلي بارتياح قائلا إنه "حتى الآن تم قبول القرار الإسرائيلي بإغلاق البلدة القديمة والمسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه بهدوء نسبي من قبل الفلسطينيين".

تضامننا مع تركيا نتيجة مواقفها المؤيدة للقضية الفلسطينية، واحترامنا للشعب التركي ونضاله وشجاعته في إفشال الانقلاب يجب أن نأخذ منه العبرة، وعلينا أن نتعلم منهم، نحن الذين علمنا العالم كيف يكون النضال من أجل الحرية، نحتاج الآن أن نقتدي بالشعوب الأخرى كي نفهم أن مثل هذه التجاوزات لا يمكن القضاء عليها إلا بخروج الملايين من الشعب، وقتها يتحول العدد إلى سلاح يُهزم العدو أمامه ويتراجع. وفي الوقت الذي نُقبل فيه جبين كل شريف في الشعوب التي تساندنا ونتألم لدمائهم الطاهرة التي تسيل ظلما، يجب أن نعلم أن دم العرب والمسلمين ليس أغلى من دم الفلسطيني الذي يسيل منذ عشرات السنوات، والجهاد في سبيل القدس لا يمر من أي دولة كانت.

إن ما يحدث في المسجد الأقصى هو بمنزلة خزي وعار على كل مسلم، فبينما ينتقد البعض العملية المسلحة التي كانت رد فعل طبيعيا على الحصار والتهويد والاستيطان والقمع والاقتحام الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي كل يوم في القدس، نجد صمتا مُفزعا مقابل كل ما يحدث، واهتماما بأمور وقضايا أخرى، وفلسفات لا داعي لها، ولم يفكر أحد ماذا يحدث الآن داخل الأقصى؟ ماذا أخذوا منه وماذا وضعوا فيه؟ ولا تستغربوا إن وجدتم يوما ما صلواتكم وأحاديثكم ودعواتكم بين أيدي مخابرات الاحتلال الإسرائيلي.