القدس تصنع الرجال

السبت 07 يوليو 2018 08:56 م بتوقيت القدس المحتلة

القدس تصنع الرجال

بقلم الكاتبة الروائية والإعلامية: جهاد الرجبي

المعركة اليوم لنا، لأبناء الشوارع المعذبة بالانتظار، المعركة اليوم لأرواحنا التي احترقت ظلما وقهرا واحتضارا. لن تثنينا البنادق المرتعشة عن التقدم، لن توقفنا الكلمات المغمسة بالدم، فالموت كما نعرفه، وكما التاريخ يصفه، هو قطع شريان القدس، وتركها مذبوحة بين يدي الجلاد.

القدس زهرة للنار، ترسل شذاها دفئا لأبنائها، لكنها تشتعل في كفي عدوها، وتحاصره باللهب، القدس تفاصيل ثورة حملت ملامح السماء، في القدس صلى كل الأنبياء. فخذ من نار غضبتها جذوتك، وسرْ خلف التسبيح حاملا كتب السماء، وترنم داخل أسوارها بذكرها، فأحمد العربي وليها، وبالتكبير ستحيا رغما عن الطغاة بيوتها، وبآيات الله ستطمئن شوارعها.

القدس في قلوبنا، وبعزها تهدأ ضمائرنا، ولن نصير بأمر من سفيه يستخف بنا امتدادا لعدونا

وما الحمق الأميركي سوى مسامير تدق في نعش الاحتلال، صلف القوي لا يمنحه الحق في استعباد الأحرار، لا يمنحه الحق في تغيير هوية مكان لا ينتمي له، فالتاريخ إنْ غزلت بالأكاذيب خيوطه، بيد الصدق تقطعت، وتبددت بالبرهان.

القدس في قلوبنا، وبعزها تهدأ ضمائرنا، ولن نصير بأمر من سفيه يستخف بنا امتدادا لعدونا، لن نصير رئة له ولسان، لن نغادر كرامتنا كشظايا مكسورة، أو كألسنة دخان لنار أكلت نفسها، ولم تخلف غير رماد يستر جمرها، لم تنضج خبزا للجائعين، وأنضجت جلودهم بحرها.

تتوجع حبة الرمل وهي تحترق حتى التوهج، تتوجع كي لا يسهل قطعها، وتتألم البذرة وهي تشق الأرض لكنها لا تتوقف، فهي تعرف بأنها تحمل ملامح الحياة. ولن نعجز أيها الطغاة أن نكون حبات رمل تتوهج في ساحات قدسنا، أو بذار عز في حضن التراب.   

القدس بوابة للسماء، وبوابتنا لعراق ملتئم الجرح والخريطة، القدس بوابتنا لمصر التي يمكنها أن ترسم التاريخ، مصر التي أطعمت الناس وما جاعت، وصنعت بكف صبرها وجرأتها عباءة عزها. القدس بوابتنا لشام تروي الأرض عطرا وعلما وجمال.. شام تتناغم تفاصيل عروبتها ودينها، وتنام قريرة العين في حضن البساتين والجبال.. القدس بوابتنا للتاريخ! وبلا عمر سنحيا دونها، ستنسل الألوان من أجسادنا والكون، وسنصبح في الصفحات المضيئة العتمة والظلال.

القدس تصنع الرجال، فجرب ساعدك في ساحاتها، لا تكن حرفا مشتتا في فضاء لغة مقهورة. كن كلمة المقاومة، وازرع نفسك باليقين وأنت تعمل في سبيل طهرها، فتلك فلسطين وجهة من يريد الله والوطن والهوية، وكل من ينادي بالتكبير على أسوار المسجد الأسير. القدس وجهة الأحرار، والثوار، وارتعاش الحلم على أهداب الطفل الصغير. القدس عروس غال مهرها، وعصية على الفك جدائلها، فلتكن لك على جبين عشقها القبلة الأولى، فمن أحق منك أنْ يقبلها؟! 

فلسطين وقد تقطعت خريطتها، ومزقت الفرقة أواصرها.. آن لها أن تضم بذراعي الثورة أبناءها

القدس وجهتنا، والحرية غايتنا، ثوار تنضم شرارة أرواحهم لمزيد من الثوار. فإن كان قدرنا أن نولد في زمن يحكمه الحمقى والسفهاء، فقدرنا كذلك أن نقاوم من يستخف بنا، من يمنح نفسه الحق في رسم مصائرنا، بصفقات مشبوهة تعلن صورا جديدة للقهر.. يتهدم فيها أقصانا، وتخرس فيها مآذننا، وتخلو من لغة القرآن طرقاتنا.

ضمائرنا هي المستهدفة! فلا جيوش في مواجهة المحتل ولا قادة ولا نفير.. ليست إلا هذه الذاكرة، وهذه الجباه التي لا تزال ترفض أن تنحني، فطوبى لمن لم يتعفر جبينه بغبار أحذية الغزاة! طوبى لمن حملت روحه زيتا يضيء بناره شوارع الرفض، ويشد بالإصرار على خيوط الذاكرة! طوبى للأحرار وللمؤمنين في كل أرض! وطوبى لمن ساوى في الطهر بين التراب والدماء! فذاك هو عهد الثورة، وذاك هو عهد الشرفاء.

فلسطين وقد تقطعت خريطتها، ومزقت الفرقة أواصرها.. آن لها أن تضم بذراعي الثورة أبناءها، آن لها أن تجمع شتات الفصائل في سبيل الذود عن قدسها. لن يأت النصر على أجنحة الكلمات الناعمة وقد تغلفت بصيغ المصالح المتبادلة، لن تصنعه مغازلة الأقوياء، أو استدرار عطف الآخرين ليعترفوا بحقك ويقفوا معك، النصر من عند الله، وتصنعه بطهرها الدماء. النصر مدد إن أذن الله تأتيك به من فورها السماء، إن صدقت الله وأنت تكبر لحريتها، مشدود الصدر، منتصب القامة، ترفض الذل لعصا الظلام، وترفض بعزة المؤمنين الانحناء.

 ولنا في القدس لقاء..