طغى صوت القصف!

الأربعاء 18 يوليو 2018 09:56 م بتوقيت القدس المحتلة

طغى صوت القصف!

بقلم المدون: مؤمن شقورة

في ظِل الفراغ ومن شدة التّفكير ومن عبَق الهموم وكثرة الآلام يبحث الإنسان في غزة عن وسائل تُذهب ضجيج الأحداث وتُصمت الأنفاس؛ بعضنا يُفضل النّوم وآخرون يفضّلون الخروج إلى التنزّه في الطّبيعة أو على شاطئ البحر والبعض يقرّر العزلة، وأنا غالبًا أفضّل الموسيقى ذات الصوت المرتفع حتى تغلب صوتي الدّاخلي الّذي ينادي بالألم!

أنا إنسان من 2 مليون إنسان "في غزّة" أتعايش كما يتعايشون وأحاول قدر الإمكان على التّمكن من الحياة، لا أَمْلك ما يملكه الآخرين ولا يَملك الآخرون ما أمْلِك، لكن نتّفق على المعاناة في مدينتنا التّي تَوَدُّ الفرح ولا تستطيع إليه سبيلاً. "غزّة" الّتي لا تشكّل مساحةً تُذْكر من هذا العالم ولا حتَّى عدداً بيْن الأعداد، أصبَحَت شَغل العالم الشَّاغل وحديثه الفاشِل الّذي لم يعد يُقنِع طِفلاً صغيراً على ترك رِباط حِذائه والاستماع له بعد أن فشل في حمايته بكلّ حجمه، أعداده، مؤسّساتِه، أطيافِه دُوَلِه شعوبه وَدِيانَاته في لحظة قرّر الاحتلال قَتْل أحلامه... وَقتَّل!

لم يعد هذا الطّفل يصدّق ما حوله بقدر ما يصدّق الاحتلال الّذي وَعده بالقتل والدّمار وصدق وَعْده، حين كان يلعب ويلهو وباغتته طّائرات الاحتلال الإسرائيلي الحربيّة بصواريخ تعدّ محرّمة دَوْليًّا ومُحلّلة على جسده الطّاهر، وهو في لحظة يحاول بها الخروج من تكدّس هموم عائلته المكلُومة مع صديق طفولته في منتزه "الكتيبة".

الطّفل ذو الخمسة عشر عاماً "أمير النمره" وصديقه الطّفل "لؤي كحيل" الّذي يكبره عاماً واحدًا، من قطاع غزة، تفتّحت عيونهم على صداقةِ بعضهم البعض وجمعتهم تفاصيل الأيّام وعاشوا طفولتهم على الحروب والتهديد حتى آتى مساء يوم السبت 14/7/2018 دفنتهم سويّاً صواريخ الاحتلال الإسرائيلي حين أطلقت طائراته ثمانية صواريخ حربيّة على مبنًى داخل مُنتزهٍ عَامّ في قطاع غزّة كانوا فيه يتبادلون أحلام الكِبَر كما المعتاد ويرسمون المستقبل ويتطلّعون بعين الأمل إلى جامعة الأزهر التعليمية المقابلة للمنتزه الّذي يجلسون به على أن يكونوا يوما ما من روّادها ومتميّزيها قبل أن تسقط على أجسادهم الصواريخ وتقتل حُلُمهم وتدمّر متنزهَهم وتصيب الجامعة التّي كانوا يحلمون بها بدمار كبير!

في وقتها كنت لا أودّ سماع الأخبار، واضعاً سماعة الرّأس في أذني أستمع الموسيقى ، كانت الشّمس تميلُ للغروب وروحي تميل للحبّ وأمي جالسة بجواري تضع أصابعها بين صفاف شعري وأمامنا إبريق شّاي نّعنعيّ بنكهة الأمان والسّلام إلى أن سقطت الصّواريخ على" أمير ولؤيّ" في المنتزه طغى صوت القصف على الموسيقى واهتزّ البيت وإبريق الشّاي وارتفعت يد أمي عن رأسي وهرولتُ إلى الأخبار حتى تواردت وسمعت بالمجزرة الّتي وقعت وأوْقَعَت قلوبنا في خبر استشهاد أمير ولؤي!

لحقتّ عيناي الشّمس قبل أن تغيب وأنا على نافذتي اترقّب الصواريخ؛ سألت نفسي: إلى متى؟! إلى متى حياة القاع والنّزيف به، إلى متى سنبكي وسنُقهر! إلى متى سَنُعاني ونتجبّر! إلى متى سيبقى الاحتلال لا يُقهر! إلى متى ستصرخ قلوب الأمّهات وتُنْهَر! إلى متى سيموت كل من يطمح ويحلم! إلى متى سنبقى في 360 كم لا نستطيع الحياة!

ماذا اقترفنا أيها العالم، ماذا أذنبنا بحق عالمكم حتى نُقهر ،نُترك ونُهمّش تحت طائرات الاحتلال وعنجهيّته الّذي قتلتنا ألف مرّة، ما الجُرم الّذي لا يجعلكم تنظرون لمعانتنا منذ عام 1948 حين اغْتصب أرضنا جدّ سائق الطّائرة الّتي قتلت أمير ولؤي وسعى فيها فسادا، خرابا وقَتْلا!! لماذا تصمتون كل هذا الصّمت، هل أنتم راضون؟ راضون عن حصار 2 مليون إنسان في "غزّة "دون صحّة وتعليمٍ وعمل.. راضون عن فقرنا وجوعنا ونَقْصنا وحرماننا!

صدقاً لو كُنّا حيوانات سافلة ما كنتم قبلتم هذا الظّلم علينا، لا أعلم حتى الآن هل نحن نستحقّ هذا أَمْ انسانيّتكم ماتت وأنا الآن اتكلّم عبثًا! توقفت بعدها عن السّؤال وعصرت أَلمي وعُدْت حيث كنت، إلى جوار أمّي وجدتها على سجّادة الصّلاة تتحدّث إلى اللّه عنكم وتشكوا صَمْتَكم.. يا ويل لكم!