إنهيار الليرة التركية.. ما الذي يحصل في أنقرة ؟

الأحد 12 أغسطس 2018 07:08 م بتوقيت القدس المحتلة

إنهيار الليرة التركية.. ما الذي يحصل في أنقرة ؟

غزة – توفيق حميد

في ديسمبر عام 2016، خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وطلب من مواطنيه مواجهة "الانقلاب الاقتصادي وأحدث المؤامرات" ضد بلاده عبر تحويل بعض أو كل المدخرات من الدولار إلى العملة المحلية الليرة أو الذهب لحماية العملية المحلية "الليرة" من الإنهيار.

وحذر أردوغان في حينها من أن "المتآمرين لم يستطيعوا فعلها على الدبابات، فيحاولون الآن بالوسائل المالية"، مناشدا الشعب تحويل العملات الأجنبية من أجل تحفيز الاقتصاد بالتزامن مع موجة إعلامية وحزمة مكافآت لمن يقوم بذلك.

لكن الليرة لم تتوقف عن التهاوي وانخفضت قيمتها نحو 40% خلال 16 شهر فقط، حتى وصلت الجمعة إلى مستوى قياسي جديد من التراجع.

وبالحلفاء الجدد أعلن أردوغان خطته لمواجهة الحرب الاقتصادية بالإضافة للتوجه للأسواق الصينية والروسية، و"بشعار لن نخضع بالتهديد"، متهماً الغرب بالتآمر على العملة المحلية من أجل الإضرار باقتصاد أنقرة.

وفي تجمع لحزب العدالة والتنمية قال أردوغان "نستعد لاستخدام العملات المحلية في تجارتنا مع الصين وروسيا وإيران وأوكرانيا وغيرها من الدول التي نملك التبادل التجاري الأكبر معها"، مشدداً أن مبدأ الندية يجب أن يحكم العلاقات بين بلاده والولايات المتحدة.

وأضاف "ليست مسألة دولار أو يورو أو ذهب، ولكنها حرب اقتصادية ضدنا واتخذنا التدابير اللازمة لمواجهتها"، متوعداً "الأطراف التي تحاول تصفية بلاده بدفع ثمن ذلك في منطقتنا أو في سياساتها".

انهيار الليرة إلى هذا المستوى جاء بعد إعلان ترامب مضاعفة رسوم منتجات الصلب والألمنيوم المستوردة من تركيا، وذلك لجعل الليرة تنزلق بصورة كبيرة جدًّا أمام الدولار الأمريكي وبذلك تصبح رسوم الألمنيوم الجديدة المفروضة على تركيا 20% ورسوم الصلب 50%.

وهناك سببان واضحان وراء رغبة الإدارة الأمريكية في مضاعفة تعريفاتها الضريبية ضد تركيا، أولهما سبب سياسي، تمثل في اتخاذ ترامب قرارًا بفرض عقوبات على وزيري الداخلية والعدل في تركيا لدورهما في اعتقال القس الأمريكي أندرو برونسون.

وتتهم تركيا أندرو برونسون بأن له صلة بحزب العمال الكردستاني المحظور وحركة غولن التي تتهمها بأنها داعم رئيسي للانقلاب.

والسبب الثاني اقتصادي، حيث انخفاض الليرة مقابل الدولار يحمل آثارًا إيجابية على الاقتصاد الأمريكي فهي تجعل الصلب التركي والألمنيوم أقل تكلفة في السوق الأمريكية، مما يقلل من التأثير المتوقع للتعريفات الموقعة.

أستاذ العلاقات الدولية التركي، برهان كور أوغلوا، قال إن اقتصاد أنقرة قوي ونسبة الإنتاج الصناعي والسياحة عالية وهناك نسبة كافية من العملات الصعبة في خزينة الدولة، موضحاً أن تركيا ليست كأي دولة صغيرة يمكن أن تؤثر بشكل كبير من هذه المؤامرة والبنك التركي رزين ويمكن مواجهة هذه الحرب.

وبين أوغلوا، أن البنك المركزي التركي يترك الأمور على طبيعتها لكن يمكن أن يتدخل في أي لحظة بناء على قرار من الحكومة، مشيراً إلى أن هناك ارتباك عالمي وليس تركي واليورو يتدنى أمام الدولار والأزمة في الأساس سياسة بين أنقرة وواشنطن.

ولفت إلى أن، الأزمة عالمية وسببها التصرفات الجديدة من الإدارة الأمريكية وهناك قوى صاعدة في العالم مثل الصين وتركيا وجنوب افريقيا وكل هذه التطورات تزعج واشنطن، مبيناً أنها "أصبحت تتخذ مواقف معادية ضد الحلفاء مثل أوروبا وتركيا بدأت تبحث عن بدائل ليست في التجارة ففط بل فيما يتعلق بالأمن القومي أيضاً".

وتشن الولايات المتحدة حروبا اقتصادية وتجارية ليس على "أعدائها" فحسب بل على شركائها لإخضاع اقتصادات هذه الدول وآخر هذه الحروب استهدفت اقتصاد تركيا وعملتها المحلية التي تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة.

وقبل ذلك استهدف ترامب اقتصادات وعملات كل من إيران وروسيا وفنزويلا والصين وكندا والاتحاد الأوروبي، عبر فرض مزيد العقوبات الاقتصادية ورفع الرسوم الجمركية على الواردات.

لكن هذه الدول لم تقف مكتوفة الأيدي، بل سارعت إلى البحث عن بدائل لمواجهة سياسة "التركيع" بتعبير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عبر محاولة توسيع استخدام العملات المحلية في المبادلات التجارية ومدخرات الأفراد للتخفيف من قبضة الدولار، وخيار استعمال العملات الرقمية، إلى جانب فرض رسوم جمركية مضادة على الصادرات الأميركية.

وأثار تراجع الليرة صدمة انعكست على البورصات الأوروبية الرئيسية التي أغلقت جميعها على تراجع، وهبط اليورو إلى أدنى مستوى في أكثر من عام أمام الدولار الأميركي، وبلغ اليورو 1.14 دولار، كما هبطت بورصة وول ستريت الجمعة مع تضرر أسهم البنوك من أزمة تركيا المالية.

أما عضو مجلس المستشارين في حملة ترامب الرئاسية ستيفن روجيرز، فرأى أن القيادة التركية تبالغ بشكل كبير من هدف العقوبات التي يفرضها الرئيس الأمريكي، زاعماً أن "العقوبات ليس بداية حرب اقتصادية".

وأكد روجيرز، أن "تركيا حليفة وجزء من الناتو وترامب كان واضحا فيما يتعلق بالعقوبات والتعرفة الجمركية من أجل الوصول لعلاقة تجارية عادلة"، موضحاً رئيس الولايات المتحدة سيجلس مع القيادة التركية لإيجاد حل للمسألة.

وشدد أن "المسألة والمشكلة بسيطة" وترامب كان واضحا وقال أنه يسعى لما هو أفضل لمصلحة الولايات المتحدة كما يسعى أردوغان لتحقيق مصالح تركيا وشعبها.

وشهدت إيران خلال الأشهر الماضية تراجعا كبيرا في سعر الريال بعد قرار واشنطن إعادة العمل بالعقوبات الاقتصادية وانسحابها من الاتفاق النووي حيث خسر الريال قرابة نصف قيمته مقابل الدولار منذ أبريل الماضي، قبل أن يتحسن قبل يومين من إعادة فرض العقوبات.

وأعلنت الحكومية الإيرانية عن جديدة تتعلق بصرف العملات الأجنبية وتسمح باستيراد غير محدود ودون ضرائب للعملات والذهب، فيما اعتبر المرشد الإيراني علي خامنئي أن بلاده تواجه "حربا اقتصادية" من أعدائها.

وأعلن وزير الاتصالات وتقنية المعلومات الإيراني محمد جواد آذري جهرمي عن إمكانية تبادل وتداول العملات الرقمية عبر المصارف المحلية.

وفي شهر أبريل، ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن طهران تحولت عن الدولار إلى اليورو في معاملاتها الرسمية الأجنبية، بعد أشهر من إعلان الحكومة اتخاذ خطوات عملية لإقصاء الدولار في معاملاتها التجارية والتركيز على اليورو.

المحلل الاقتصادي مصطفى شاهين، بين أن انخفاض الليرة سيدفع التضخم للارتفاع داخل تركيا ما سيؤدي لارتفاع أسعار الطعام والشراب والسكن وغيرها، مشيراً إلى أن أغلب واردات تركيا بالدولار وهو عامل سياهم في رفع الأسعار.

وأوضح شاهين، أن انخفاض العملة التركية سيؤدي لانخفاض الواردات سواء من الصين او أوروبا أو أمريكا مما سيدفع التركي للإنتاج داخل بلاده، مشيراً "ولو عجز الاتراك عن عجز الإقراض من البنوك الأوروبية ستنهار تكل البنوك وسيؤثر على كثير من البنوك داخل أمريكا لذلك هناك انخفاض داخل بورصة نيويورك".

وبين أن هناك تحالفات جديدة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، حيث بدأت أنقرة تأخذ منحى تجاه روسيا، مشيراً إلى أن صفقة الأسلحة ومنظومة S400 مع موسكو أنتجت أزمة بين واشنطن وأنقرة وهي أحد أبرز نقاط الأزمة التي حدثت بين البلدين.

ولفت شاهين إلى أن "تحالف روسيا مع الصين وإيران وتركيا سيفكك حلف الناتو من داخله خاصة أن أنقرة تمثل مكسب كبير لورسيا والولايات المتحدة لا تريد خسارة أنقرة لان خسارتها سيؤثر على القوتين العظميتين"، مؤكداً "لإنقاذ الليرة يجب أن يتم ضخ احتياطات داخل الاقتصاد التركي من قبل الصين وإيران وروسيا، والسؤال هل تستطيع هذه الدول الضخ بمليار دولار وهو رقم مشكوك فيه".

وحذر صندوق النقد الدولي الشهر الماضي من أن تؤدي الحمائية التجارية إلى تأثيرات سلبية على الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مقال بصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، إنه "على مدى العقود الستة الماضية، كانت تركيا والولايات المتحدة شريكتين استراتيجيتين وحلفاء الناتو ولقد وقف البلدان جنبًا إلى جنب ضد التحديات المشتركة خلال الحرب الباردة وعقبها".

وتابع "على مر السنين هرعت تركيا إلى مساعدة أمريكا عند الضرورة. جنودنا وسيداتنا قاتلا معًا في كوريا. في عام 1962 تمكنت إدارة كنيدي من إقناع السوفيت بإزالة الصواريخ من كوبا عن طريق إزالة صواريخ جوبيتر من إيطاليا وتركيا. في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، حينما اعتمدت واشنطن على أصدقائها وحلفائها لرد الضربة ضد الشر، أرسلنا قواتنا إلى أفغانستان للمساعدة في إنجاز مهمة الناتو هناك".

وبين "لقد فشلت الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا في فهم واحترام اهتمامات الشعب التركي. وفي السنوات الأخيرة اختُبرت شراكتنا من خلال الخلافات، ولسوء الحظ ثبت عدم جدوى جهودنا لعكس هذا الاتجاه الخطير وما لم تبدأ الولايات المتحدة في احترام سيادة تركيا، وتثبت أنها تدرك المخاطر التي تواجه أمتنا، فإن شراكتنا قد تكون في خطر".

المصدر : شهاب