هروبي إلى علي عزّت بيجوفيتش..

السبت 18 أغسطس 2018 06:06 م بتوقيت القدس المحتلة

هروبي إلى علي عزّت بيجوفيتش..

بقلم المدون الفلسطيني: محمد الشافعي

هروبي إلى علي عزّت بيجوفيتش، كانَ في هروبي إلى الحريّة! فهو عاشق الحريّة وقدْ هربَ إليها في كتابه، وقدْ تمنّى أنْ يهرب إليها بالفعل، ولكنَّ سجنه منعه، فهرب إليها بالأفكار وفلسفتها على جميع الصُعد! علي عزّت بيجوفيتش عرّابُ الهراطقة الذين يكرهون السُلطة وبالمقابل تكرههم السُلطةُ أيضاً! قرأتُ كتُبَه لعندِ آخرها، ولأنتهي مبهوراً في حضرته! مهزوزاً أمامه! حالتي الصمت! فكيف لي أنْ أجرؤَ على الكلام! وماذا عساي أنْ أفعل؟ سألتُ نفسي حينها، وقدْ كانَ الجواب: هروبي إلى علي عزّت بيجوفيتش.

لنْ أتحدّث عن سيرةِ هذا الاستثنائي بقدر عمّا سأتحدّث عن أثره عليّ في المقام الأوّل وعن أثره على المجتمع الإسلامي ككل، فقدْ قامَ فريق ميدان بإنتاج فيديو تفصيلي ومختصر عن سيرة حياته فمنْ يريد التعرّف على أحداثها فعليه بمشاهدته، والآن سأستهلُّ هوسي البيجوفيتشي بعبارةٍ له، إذْ يقول: (عندما لا أجدُ ما سأعيش منْ أجلِه، سأموت)، وهذا الكلام هو أوّل خاطرة كتبها بيجوفيتش في هروبي إلى الحريّة، وفي بداية الأمر، لمْ أفهم المغزى منها، ولم أفهم الماورائيّة فيها كما يقولون، ولمْ أستوعب ما المميّز في هذه العبارة! ولكنْ وعندما بدأتُ بالولوج إلى عالمِ هذا الرجل، تسلّلَ الفهم إلى عقلي شيئاً فشيئاً! واتخذَتْ الأمور منحىً مُختلفاً تماماً في فهمِ كتاباته! وأيقنتُ أنَّ خواطره وفقراته القصيرة في هروبي إلى الحريّة ما هي إلّا نِتاج سنين طوال من القراءة، البحث، والتمحيص، وهذه الاستهلال كان أحدْ المسامير التي دقّها بيجوفيتش في نعش الماركسيّة الشيوعيّة، ونبوءات كارل ماركس على وجهِ الخصوص!

كانَ بيجوفيتش يتبنّى الحزُن بشكلٍ أو بآخر! فقدْ قال: لا يُمكنْ تجنّب الكَبَد، ولكن يُمكن تخفيف وطأته بالأفكار. كلُّ ما هو حيّ يُكابد ويعاني، لكنَّ الإنسان وحده هو الذي يُضفي على الكَبَد والمعاناة معنى ما، وهذا هو الفرق

كتاب هروبي إلى الحريّة، هو أشبه بأسلوب نيتشه في الكتابة! والقارئ لنيتشه سيعلمُ هذا، فهروبي إلى الحريّة هو كتاب على شكل خواطر وفقرات، وهذا تماماً ما اعتادَ عليه نيتشه في الكتابة، ولمْ يكنْ صاحب نفس طويل إلّا في آخرِ حياته! فالفقرات أشبه بالكوجيتو لدى نيتشه، وعندما رأيتُ نفسَ الأسلوب لدى بيجوفيتش لمحتُ هذا التشابه، ولا جرمَ أنَّ هذا التشابه كان مصحوباً بتعليق بيجوفيتش على جنون نيتشه، وقدْ وصفَ نيتشه بأنّه إنساني، وأنّه على النقيض تماماً من فلسفته العدميّة والغير أخلاقية! على كلِّ حال، دعوني أتكلّم عن خِطاب علي عزّت بيجوفيتش، فقدْ كانَ خطاباً يدعو فيه للإسلام، ولا يُدافع عنه، وقدْ سلك طريق النقد والهدم للماديّة بعنفٍ شديد في دعوته هذه، سواءً في الإسلام بين الشرق والغرب أو في هروبي إلى الحريّة، حتّى أنّه خصص فصلاً كاملاً تحت عنوان (على هامش الإسلام بين الشرق والغرب).

عرّف بيجوفيتش الإسلام على أنّه "دين ورؤية" وليس "دين ودولة" بمعنى أنّ السياسي جزء من كلّ، وأنّ هذه الرؤية تشمل كل النشاطات من فلسفة وسياسة...الخ، ويقول أيضاً أنّ النظام الإسلامي لا يُمكن أنْ يتعايش مع أي نظام آخر، وخطابه في هذه الدعوة هو خطاب عالمي، وليس للمسلمين فحسب، وإنّما لجميع النّاس، وأنا كنتُ من هؤلاء النّاس الذين تلقّوا هذا الخطاب، فعلي عزّت بيجوفيتش هو الذي انتشلني من قاع الضلال والتخبّط إلى نور الإيمان وروحانيّته من جهة، والفهم العميق لحضارة الغرب المُلحدة من جهة أخرى! إذْ كانَ تعريف بيجوفيتش للحضارة على أنّها مُلحدة، والثقافة مُؤمنة، وقدْ كانتْ الحضارة في نظره هي حضارة داروين وماركس، وأضاف إلى ذلك أنّها حضارة ماديّة تكنولوجيّة مُلحدة دائماً ما تسعى وراء المعادلات الرياضيّة، وتتبنّاها كفلسفة لها.

منْ أبرز المسائل التي طرحها بيجوفيتش، والتي غيّرتْ تماماً في أسلوبِ اطّلاعي بشكلٍ عامّ، هي موضوع القراءة والكيفيّة التي تتمُّ بها هذه القراءة، فيقول هنا: (القراءةُ المُبالغ فيها لا تجعلنا أذكياء، بعضُ النّاس يبتلعون الكتب وهم يفعلون ذلك بدونِ فاصل للتفكير، وهو ضروري لكي يُهضمَ المقروء ويُبنى ويُتبنى ويُفهم، فعندما يتحدّث إليكَ النّاسُ فإنّهم يخرجون من أفواههم قِطعاً من هيجل وهايديجر أو ماركس في حالة أولّية غير مُصاغة جيداً، وعندَ القراءة فإنَّ المساهمة الشخصية ضروريّة مثلما هو ضروري للنحلة العمل الداخلي والزمن، لكي تُحوّل رحيقَ الأزهار المتجمّعة إلى عسل)، وهذا ما كنتُ عليه بكل ما تحمل عبارته من معنى! كنتُ ضحيّةً للذئبِ الهيجلي -كما وصفه الدكتور الراحل عبد الوهّاب المسيري- كنتَ بنكاً للمعلومات دون أيِّ تصوّر! لم أذكر حينها أنّني كنتُ صاحبَ فلسفة معيّنة أو مذهب معيّن، ولمْ أملكْ الأدوات لبناء تصوّر في ذهني أو مشروعاً مثلاً، فقدْ كنتُ أقرأُ فقط لحبِّ القراءة ولا أكثرَ من هذا بالمرّة، ولهذا هربتُ إلى علي عزّت بيجوفيتش بروحي وكياني وتقمّصتُ هذا الرجل في مناحي حياتي قدرَ ما استطعت.

هروبي إليه تحوّل إلى هوسٍ عندما قرأتُ عبارته عن التمرّد! وعن الأشقياء الملعونون، فقدْ كتب بيجوفيتش متمرّداً: (يُوجد أُناس أشقياء ملعونون، في ثورة دائمة ضد شيء ما، قليلا ما يتحّدثون عن الخبزولكن كثيراً ما يتحدّثون عن الحريّة، قليلاً ما يتحدّثون عن السلام وكثيراً ما يتحّدثون عن الشخصيّة الإنسانيّة، ويُؤمنون بأنّهم هم الذين يُطعمون الملك وليس العكس، هؤلاء “الهراطقة” المتمرّدون لا يُحبّون السُلطة، ولا تُحبّهم السُلطة، وفي الأديان يوقّر الأتباع الأشخاص والسُلطات والأوثان، أمّا عشّاق الحريّة المتمرّدون فإنّهم يُمجدون الله)! وفي هذه اللحظة! لحظة قراءتي لهذا الإبداع في الوصف، وجدتُ منْ يعرفُ نفسي أكثرَ منّي! ووجدتُ منْ لديه المَلكة العجيبة في التعبير عمّا يجولُ في خاطري! ولطالما كنتُ منْ هؤلاء الهراطقة، ولكنني لمْ أجدْ السبيل للتعبير عن هذه الهرطقة، إلى أنْ مررتُ على البيجوفيتش –طيّبَ الله ثراه-

كانَ بيجوفيتش يتبنّى الحزُن بشكلٍ أو بآخر! فقدْ قال: (ما بينَ الحُزن واللامبالاة سأختارُ الحُزن)، ويقولُ  أيضاً: (لا يُمكنْ تجنّب الكَبَد، ولكن يُمكن تخفيف وطأته بالأفكار. كلُّ ما هو حيّ يُكابد ويعاني، لكنَّ الإنسان وحده هو الذي يُضفي على الكَبَد والمعاناة معنى ما، وهذا هو الفرق)، ونراه أيضاً يتحدّثُ كثيراً عن الفنّ وعن التراجيديا فيه، ويسترسل في الحديث عن البطل المأساوي وعن الأنين والوجع في الفنّ بشكلٍ عامّ! ويصف الفنّ بأنّه يحمل طابع ديني على رُغمه وأنّه روحانيّ إلى أبعد حدّ! وهذه حقيقة لا جدال فيها، ففي الفنّ والموسيقى بشكلٍ خاصّ تجليّات وقُربات إلى الله جلَّ جلاله.

هربتُ إليه ولمْ أعلم ما حصلَ؟! صارَ كلَّ شيء في حياتي، وإنْ علّق أحدكم وقال: ما هذا التقديس للأشخاص؟ سأقول له: هو ليسَ بتقديس يا صاحبي! بلْ هو تبنّي أفكار وجهاد أصّل لها علي عزّت بيجوفيتش، فهو من هؤلاء القوم الذين اتبعوا نهج صحابة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فلمْ يترك منزله المتواضع حينَ توليه المنصب الرئاسي للبوسنة والهرسك، ولمْ يكنْ مُحاطاً بألفٍ من الحرس! بلْ كانَ يتجوّل وحيداً مَثَلُه كمَثَلِ عمر الفاروق -رضي الله عنه وأرضاه- هو الاستثنائي المُجاهد والفيلسوف، هو الذي لنْ نستطيع تجاوزه بمجرّد قراءةِ سطرٍ مما كتب، ولنْ نستطيع الوصول إليه مهما فعلنا، ولا أستطيع تخيّل حجمَ تفاهتي أمامكَ يا علي عزّت بيجوفيتش.

مهما كتبتُ ومهما كابدتُ في الكتابة فلنْ أُنصفَ هذا العملاق بحقّ، ولنْ أقفَ على الشاطئ في وصفه حتّى، ولهذا سأكتفي هنا مطأطأً رأسي احتراماً له، وسأكتب ما كتبَ هو، ففي نهاية فصل (عن الحياة والنّاس والحريّة)، قال هذا العملاق خاتماً فصله: (إنَّ عصرنا هذا عصرٌ صعب، لكنّه مثيرٌ للغاية، قدْ نشكو منْ أنّه كانَ قاسياً، ولكنّنا لنْ نشكو منْ أنّه كانَ مملاً، ربما أشعرُ بالأسف فقط لأنّني لنْ أعيش حتّى أرى نتيجةَ هذا كلِّه، أنّني أتحدّث عن الموت، ولكنْ قدْ لا تكون هناك نتيجة ولا موت، فربما يكون الأمر مجرّد أنْ تُغمض العيون التي طالما كانتْ ترى العالم، وتستمرّ بالحياة، ولاداتٌ جديدة، عيونٌ جديدة تتفتّحُ كالورود، قصصٌ جديدة، وهكذا بلا نهاية، إلهي.. ما أعظمك! وما أعظمَ الكون الذي خلقته)!

سلامٌ عليكَ يومَ ولدتَ ويومَ متَّ ويومَ تُبعثَ حيّا يا علي عزّت بيجوفيتش!