كيف يربي الحج روح الوحدة والجماعة فينا؟

الخميس 23 أغسطس 2018 12:02 ص بتوقيت القدس المحتلة

كيف يربي الحج روح الوحدة والجماعة فينا؟

بقلم المدون المغربي: عبد اللطيف الخراز

الناظر في الحج خصوصاً والإسلام عموما يرى أنه في فلسفته قائم أو يدعوا إلى الوحدة والجماعة، فأركانه كلها بدأً بالتوحيد وانتهاءً بالحج تدعوا إلى هذا، وليس هذا فقط، بل أحيطت هذه الأركان بسياج من الترغيب والحظ على هذه الجماعة، وأيضا من التحذير وترك كل ما يدعوا إلى الفرقة والخروج عن هذا العقد، وذلك بغية الحفاظ وإبقاء هذا العقد مصونا من أن يصيبه شيء فيتناثر ويتلاشى إلى حبات هنا وهناك، ومن بين أركان الإسلام التي يبدوا فيها هذا واضحاً الحج، فالحج فيه من معاني الوحدة والجماعة ما ليس في غيره من الأركان، فهو يربي ويعزز فينا الافتخار بهذا الشعور، وذلك من خلال الأعمال المؤدية فيه كلها. فكيف كان للحج أو لهذا المؤتمر العالمي كما يحل للبعض أن يسميه هذا الحظ الوافر من كل هذه المعاني؟

قبل مجيء الإسلام كانت جزيرة العرب عبارة عن قبائل متناحرة فيما بينها بسبب العصبية القبيلية السائدة آنذاك، وكل منهما كان له إله يعبده ويقدم إليه القرابين، فمنهم من كان له العزى، ومنهم اللات، ومنهم سواع.. وهكذا، فجاء الإسلام هدفه الوحيد قبل شيء هو توحيد هذه القبائل وجمعها صوب اتجاه واحد، سواء في العبادة أو المعاملات وحتى في المصير، فكان أول ما كان هو التوحيد، فَتربوا على هذا طوال الفترة المكية حتى رسخ فيهم التوحيد فنبذوا الأصنام وعبدوا الهاً واحداً هو الله عز وجل، وبعدها جاءت أركان الإسلام الأخرى كلها تدعوا إلى نفس المقصد.

والشيء الذي بدأ به التوحيد والصلاة والزكاة من بناء لهذا الصرح اكتمل بآخر أركان الإسلام نزولاً هو الحج، فهو جامع لكل معاني هذه الأركان، فأعماله كلها فيها معنى الوحدة والجماعة، فالإحرام فيه التجرد من كل الثياب التي فيها رمز الاختلاف الذي يرمز إلى ثقافة كل بلد بعينه، وتعويضها بلباس واحد لا يُفَرَّق فيه بين الغني والفقير والوزير والأمير، فكلهم في هذا المقام قد ذابوا في بوثقة واحدة مبتدئين دخول أعظم تجمع بشري تعرفه البشرية خلال كل سنة من لقاءاتها، وبعد الطواف والسعي بين الصفا والمروة يأتي الوقوف بعرفة الذي هو أعظم ركن من أركان الحج، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم اختزل الحج كله في عرفة فقال: "الحج عرفة" لهيبة هذا المقام الذي تجمع فيه الملايين من الناس، جاءوا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على أن وفقهم الله واختارهم للوقوف أمامه في هذا المقام.

من خلال سفرنا عبر قطار مراحل أعمال الحج نرى أنها كلها تمدنا بروح الوحدة والجماعة التي ربما يفتقدها كثير من الناس في وطنهم ومحيطهم

ولزيادة ترسيخ هذا المقصد الأسمى كانت قريش تقف يوم عرفة خارج حدود عرفة مُتعالين ومُضهرين شرفهم على غيرهم ممن هم في هذا المكان، فما كان من الحج وتعاليمه إلا أن ألغى هذا الاعتبار وأمرهم بالوقوف مع الناس لا فرق بين قرشي ومدني، وعربي وعجمي، الكل سواسي في هذا القام، فنرى فيه وحدة جلية كالشمس، وحدة في المشاعر، وحدة في الشعائر وحدة في الهدف، فالجميع متجه إلى هدف واحد هو الله عز وجل.

ومع إعلان غروب الشمس يبدأ هذا الحشد الغفير من الناس وجهة أخرى هو موليها نحو ما تبقى من شعائر الحج العظيمة، فيتجه إلى مزدفلة، ومنها إلى منىً ليبدأ رمي الجمرات والتحليق، وبعدها يكون الختام بالطواف نحو الكعبة المشرفة التي هي علم الله المركوز في الأرض، فيكون آخر عهد هذا الجم الغفير من الناس هو الطواف بالبيت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت".

ومن خلال سفرنا عبر قطار مراحل أعمال الحج نرى أنها كلها تمدنا بروح الوحدة والجماعة التي ربما يفتقدها كثير من الناس في وطنهم ومحيطهم، فالناظر والمتأمل لهذا المشهد لا يسعه إلا أن يخرج بروح معنوية عالية تدعوه وتحثه على أن هذا المؤتمر هو رمز الوحدة والمساواة، ومكان لإظهار أن دعوة هذا الدين قائمة على كل ما يصب في اتجاه نحو هذا الهدف المنشود، رغم اختلاف اللغات والألوان، ورغم بعد البلدان والأوطان، حتى إننا نرى الآيات المتعلقة بأعمال الحج جاءت في معظمها مخاطبة الإنسان بضمير الجماعة، من مثل قوله تعالى: "وَتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّاد التَّقْوَى" وقوله: "فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ" وقوله أيضا: "فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ" وقوله أيضا: "وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ".. وغيرها من الآيات المتعلقة بهذا السياق.

وحينما نرى أن من قال بأن الانسان اجتماعي بطبعه كابن خلدون في مقدمته وغيره من فلاسفة الأنوار يكون قولهم سندهم فيه هو الدين غالباً، فالأديان السماوية كلها جاءت تدعوا إلى هذا المعنى، فالفرقة ما جلبت للإنسان عبر سيرورته التاريخية إلا الحروب والصراعات، سواء في الجزيرة العربية أو أوروبا، وآخرها الحرب العالمية الأولى والثانية، التي لقنت درسا جماعيا لأوروبا لن تنساه أبدا في حياتها، فكونت به أعظم وأنجح تكتل بشري عبر اندماج أكثر من ستة وعشرين دولة مجتمعة فيما بينها في كل شيء، فأدركوا أن الجماعة هي سر قوتهم وتقدمهم .