فورين بوليسي: أردوغان أسطورة القوة والسيطرة

الإثنين 03 سبتمبر 2018 09:48 ص بتوقيت القدس المحتلة

فورين بوليسي: أردوغان أسطورة القوة والسيطرة

قد يكون أردوغان غاضبًا من واشنطن، لكن في النهاية ليس أمام أنقرة سوى الالتفات مرة أخرى ومحاولة استعادة علاقاتها مع الغرب مهما تطلب ذلك.

هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي بأن بلاده قد تفكر في مغادرة حلف «الناتو»، بينما وصف وزير خارجيته مولود جاويش أوغلو روسيا في زيارة له الأسبوع الماضي لموسكو بـ«الشريك الإستراتيجي»، الوصف الذي لم يرد ذكره من قبل على ألسنة أي من ممثلي الحكومة التركية سابقًا. لكن هذا كلام فارغ، كما يذكر الكاتب خليل كاراولي في بداية مقال له نشر في مجلة «فورين بوليسي».

قد يكون أردوغان غاضبًا من واشنطن، لكن في النهاية ليس أمام أنقرة سوى الالتفات مرة أخرى ومحاولة استعادة علاقاتها مع الغرب مهما تطلب ذلك، بحسب الكاتب، وخطوة كتلك قد لا تكون كافية لإنقاذ تركيا من الكابوس الاقتصادي الذي تعيشه، لكن هناك خيارات أخرى أمام أردوغان لتجنب انهيار سياسي أكثر سوءًا، خاصة وهو يعتمد بشكل كبير على قوى في الدولة التركية لن تتقبل انتقال دائم بعيدًا عن الولايات المتحدة الأمريكية وتقاربًا أكثر حميمية نحو روسيا.

خلافات جذرية.. تفسد للود أي قضية!

عندما يتعلق الأمر بالأكراد في سوريا، فإن الأولويات الاستراتيجية الأمريكية والتركية في الشرق الأوسط تستمر بالتباين منذ وقت طويل

قال ترامب قبل حوالي أسبوعين: إن تركيا «مشكلة منذ وقت طويل»، وهذا صحيح، بحسب الكاتب، لكن لا يمكن تجاهل أن الولايات المتحدة أيضًا مشكلة لتركيا. قائمة شكاوى واشنطن الحالية ضد تركيا تتضمن احتجاز القس الأمريكي برانسون، ومعارضتها دعم الأكراد في سوريا، وعلاقتها الوثيقة مع روسيا، وما نتج عنها من صفقة لشراء أربعة أنظمة صاروخية من نوع S-400 بحلول عام 2019. بينما ترى تركيا في كل هذه التحركات أفعالًا منطقية.

لنأخذ قصية برانسون، والذي احتجز في شهر ديسبمر (كانون الأول) من عام 2016 بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضد أردوغان. اتُّهِمَ برانسون بوجود علاقات تربطه بتنظيم الجماعة وزعيمه فتح الله كولن المقيم في أمريكا، المتهم الأول في قضية محاولة الانقلاب الفاشلة،كما أن برانسون متهم بالارتباط بـ«حزب العمال الكردي». وبصرف النظر عن صحة هذه الإدعاءات – يقول الكاتب – فإن برانسون ورقة مقايضة سياسية قيمة، وتأمل أنقرة في أن تبادله بمحمد هاكان أتيللا، نائب المدير العام السابق للبنك التركي هالك بانك، والمملوك من قبل الحكومة التركية، والذي حكم عليه في الولايات بعد إدانته بخرق العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. ويقول الكاتب: «إن تركيا ستعيد برانسون إلى أمريكا على الأرجح، لكنها لا تريد إطلاق سراحه بالمجان، وتأمل في أن تحصل على شيء بالمقابل».

وعندما يتعلق الأمر بالأكراد في سوريا، فإن الأولويات الاستراتيجية الأمريكية والتركية في الشرق الأوسط تستمر بالتباين منذ وقت طويل. انزعجت أنقرة في البداية بسبب الدعم الأمريكي للأكراد في شمال العراق خلال التسعينات. وتخشى أنقرة تبعات تأسيس منطقة كردية تتمتع بالحكم الذاتي في سوريا، وهي روجآفا، والتي تسيطر عليها مجموعات تابعة لحزب العمال الكردستاني، الذي يشن تمردًا ضد أنقرة منذ عام 1984. وفي تلك الأثناء اختارت الولايات المتحدة دعم الأكراد بصرف النظر عن الاعتراضات التركية؛ لأن الميليشيا الكردية كانت حليفًا لها ضد «تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش)»، ولا تزال مخلصة للولايات في سوريا، حتى بعد هزيمة تلك الدولة.

على الرغم من المصالح المتباينة للبلدين، وصف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أردوغان بأحد أكثر أصدقائه الموثوقين من بين زعماء العالم عام 2012، ولا شك في أن أردوغان كان يأمل في التمتع بعلاقة متميزة مع الرؤساء الأمريكيين المستقبليين أيضًا. ومثله مثل الزعماء الأتراك اليمينيين الآخرين الذين سبقوه، لطالما أذعن أردوغان للسلطة الأمريكية، بحسب الكاتب. فعلى سبيل المثال، عرفت تركيا منذ بداية الأزمة السورية أنها لن تستطيع تحقيق طموحها في سوريا – بما في ذلك مساعدة الإخوان المسلمين في الوصول إلى السلطة – إلا من خلال التعاون مع الولايات المتحدة، وهذا هو السبب الذي جعل البلدين يعملان في البداية مع بعضهم البعض لطرد الزعيم السوري بشار الأسد.

تركيا وروسيا.. صداقة حديثة لكنها ليست مستدامة

يقول الكاتب: إن تحرك تركيا نحو روسيا ليس إلا تحركًا بائسًا. وتمثل سياسات الولايات المتحدة المؤيدة للأكراد في سوريا تهديدًا وجوديًا لتركيا لدرجة أن البلاد لا ترى بديلًا سوى السعي إلى تعاون مع روسيا وإيران – وابنهم البار النظام السوري – لإحباط الطموح الكردي في المنطقة. ويشير الكاتب إلى حادثة إسقاط الطيران الجوي التركي لطائرة روسية، والتي دخلت الأجواء التركية أثناء تأديتها مهمات قصف ضد جماعات مسلحة سورية تدعمها تركيا عام 2015؛ ما يصف العلاقة غير المتزنة التي تجمع البلدين. والأهم من ذلك أن المواءمة مع روسيا تتعارض برمتها مع لُبّ الدولة التركية.

ينظر هؤلاء القوميون الأتراك اليمينيون إلى روسيا على أنها العدو اللدود للإمبراطورية العثمانية وأنها استعبدت العرق التركي.

كما يذكر الكاتب أن هناك شخصيات محورية من نخب أنقرة – منهم من يعتمد عليه أردوغان اعتمادًا كبيرًا في ممارسة سلطته – تمثل تيارًا سياسيًا معاديًا بشدة لموسكو. وينظر هؤلاء القوميون الأتراك اليمينيون إلى روسيا على أنها العدو اللدود للإمبراطورية العثمانية وأنها استعبدت العرق التركي. تاريخيًا، كانت هذه الشخصيات ميالة ومؤيدة بشدة لأمريكا، وكانوا سيبقون هكذا، لولا دعم الولايات المتحدة للأكراد. ومن بينهم دولت بهجيلي، زعيم «حزب الحركة القومية (MHP)»، المتحالف مع «حزب العدالة والتنمية» الذي يقوده أردوغان منذ سنوات.

ويذكر الكاتب أنه لا شك أن دعم شخص مثل بهجيلي كان مهمًا جدًا لأردوغان. وكمثال على ذلك، لم يكن أردوغان ليربح الانتخابات الرئاسية لولا توجيه بهجيلي لأتباع حزبه للتصويت لأردوغان. ولا ننسى أنه وبنفس القدر من الأهمية أن أتباع حزب الحركة القومية منتشرون في أعماق الدولة التركية، ومع أن الحزب اختار عدم الدخول إلى الحكومة علانية، لكنه يتمتع بسلطة واسعة بشكل غير مباشر، فهو يحتل آلاف المناصب في البيروقراطية التركية. ومنذ تطهير البيروقراطية من جماعة كولن بعد الانقلاب الفاشل قبل عامين، انتقل الحزب والمتعاطفين معه إلى قمة الهرم. وأردوغان ليس سلطانًا جديدًا على هؤلاء الناس، بل هو في الواقع مدين للموالين لبهجيلي وحزبه.

الرئيس رجب طيب أردوغان يصافح دولت بهجيلي

يشير الكاتب إلى تعيين شخص مثل خلوصي آكار، والمعروف بأنه يتبع التيار القومي التركي وميال إلى الحركة القومية، كالمسؤول رقم واحد في الجيش. ويدور الحديث في الدوائر القومية أن بهجيلي هو الذي طلب من أردوغان تعيين آكار وزيرًا للدفاع بعد انتخابات شهر يونيو (حزيران) الماضي. آكار لا يثق في أمريكا، ولا حتى روسيا، وفي خطابه الأول بعد تعيينه وزيرًا للدفاع أكد على أهمية حشد الموارد الوطنية لضمان الاستقلال والأمن التركي.

حزب الحركة القومية وتاريخ نفوذ من خلف الكواليس

وهذه ليست المرة الأولى التي يملك فيها حزب الحركة القومية سلطة من خلف الكواليس في مهمته للحفاظ على الدولة التركية. خلال السبعينات تم تعبئة كوادر حزب الحركة القومية لسحق اليسار الديمقراطي الذي بدأ بالصعود بقوة حينها، وبدعم من البيروقراطية والجيش، قام مسلحو الحزب بمحاصرة الحكومة الديمقراطية الاجتماعية، وقتلوا الآلاف من اليساريين، ومهدوا الطريق للانقلاب العسكري اليميني في عام 1980.

جانب من أعمال الشغب في تركيا أثناء انقلاب عام 1980

تولى حزب الحركة القومية مهمة استعادة سلطة الدولة وتوطيد السلطة من أجل ضمان أن الفصائل داخلها – سواء كانوا من جماعة غولن أو غيرها من التشكيلات غير المعروفة حتى الآن – لن تنتزع السلطة في المستقبل. وقد كان بهجيلي هو الذي دعا إلى اعتماد النظام الرئاسي الموجود الآن بعد محاولة الانقلاب عام 2016. ولم يكن دافعه تلبية رغبة أردوغان الشخصية في الحصول على السلطة، بل من وجهة نظر الحركة القومية، فإن النظام الرئاسي له فائدة الحد من المساحة التي يمكن للفصائل أن تزدهر فيها وتنمو؛ وذلك لأن السلطة تتمركز بشكل كبير.

وعلى الرغم من اعتماد النظام الرئاسي وإعادة تصميم مؤسسات الدولة، لا تزال الدولة التركية تفتقد إلى شعور حقيقي بالأمان. وسيستمر ذلك طالما استمرت واشنطن في الوقوف إلى جانب المقاتلين الأكراد في سوريا وفي عدم التعاطي مع مخاوف أنقرة بشأن كولن. وإن رفض واشنطن تسليم كولن – إضافة إلى حقيقة أن إدارة أوباما لم تصدر أي بيانات تضامن أو إدانة للانقلاب أثناء حدوثه أو بعده – يرقى بنظر تركيا إلى التواطؤ في الأمر. وقد دفعت محاولة الانقلاب بالدولة إلى البحث عن الأمن أينما وجد، بما في ذلك من خلال شراء صواريخ الدفاع الجوي الروسية، التي ستُستخدم لحماية المنشآت الحكومية الرئيسة، بما في ذلك القصر الرئاسي إذا لزم الأمر.

وفي الوقت نفسه، وبرأي الكاتب، لا يمكن أن تدوم العلاقات الوثيقة مع روسيا إلى الأبد، وخاصة بالنظر إلى نفور القوميين اليمينيين من هذا التحالف. علاوة على ذلك، وفي مواجهة احتمالية حدوث أزمة اقتصادية عميقة – وهو أمر لا تستطيع روسيا، المنهكة اقتصاديًا، تقديم المساعدة فيه – أدركت نخبة الدولة التركية أنه لا يمكن السماح بالتوترات مع الولايات المتحدة بالاستمرار.

كما من المؤكد أن أردوغان وبهجيلي لن يحاولا العودة إلى أحضان الولايات المتحدة طالما بقي تهديد تأسيس دولة كردية مدعومة من الولايات المتحدة في شمال سوريا. وبشرط كهذا قد تستنتج واشنطن أن تحالفها مع تركيا باهظ الثمن، ولا يستحق الإنقاذ. لكن ذلك قد يرقى إلى قول إن الولايات المتحدة لا تهتم لو كانت لو كانت تركيا – حليفة حلف شمال الأطلسي – لا تزال صديقة تجاه روسيا أو انهارت كليًا. وفي نهاية المطاف سيتعين على الولايات المتحدة أن تختار: بين روجافا وتركيا، وبين التجربة الاشتراكية الراديكالية والدولة الاستبدادية اليمينية.

المصدر : Foreign Policy