أتقتلون رَجُلًا أنْ يقولَ ربيَ الله؟!

الخميس 06 سبتمبر 2018 06:22 م بتوقيت القدس المحتلة

أتقتلون رَجُلًا أنْ يقولَ ربيَ الله؟!

إي شيخي! قدْ شرَّفتني يومًا حينَ رأيتكَ بينَ جموع الشبابِ على مدونات الجزيرة تشاركنا همومَنا والشغف، وقدْ شرَّفتني أكثر حينَ بدأتُ واحدةً من أقربِ مدوناتي لقلبي مقتبسًا من كلامكَ في رثاء زوجتك، واليوم أكتبُ إليكَ ولكلِّ من أحبَّكَ واهتدى بنجمك، إي شيخي! أومنُ حقًّا أنَّ كثيرًا منَ الحروف تموتُ حينَ تقالُ منقادةً يسوقُها صوتُ الغضبِ المزمجرِ داخلَنا، فيرتاحَ عجزُنا المنكبُّ على خيباتِه على ضعفِه وهوانِه، وتُشبعَ نفوسُنا المتعبة من فرطِ انتظارِ معجزةٍ من السماء علَّها تغيِّرُ مجرى الأقدار التي تسيرُ عكسَ أشرعة سفينتِنا المخروقة، تلك التي حتى رغمَ عيبِها لم يغبْ عن ذلك الملَكِ أنْ يذيقَها الويلاتِ ويأخذَها غصبًا.

حتى ذلك الجدُرُ الذي أقمتَه فينَا ومنْ معكَ يريدُ أنْ ينقضَّ حزنًا وألمًا على فراقِ تلكَ الينابيع التي طالما وَرَدْنا منْ حوضها ونهلْنا منها للحياةِ معنى، كلُّ أولئك الذين غُيِّبوا وفي غيابة الجب ضاعوا منَّا، أتلكَّأُ كثيرًا وقلمي يرتعش ولكنَّ حروفي تصطفُّ تتْرًا تريدُ أنْ تبوحَ بكلماتٍ ليستْ كالكلمات، هي لنْ تبكيَ لأنَّ الدمعَ في مآقيها قدْ جفَّ، هي لنْ تُعزِّي لأنَّ لكَ في قلوبنَا أثرًا لا يزول، هي لنْ ترثيَ أبدًا فقولَ ابن الخياط يكفي:

ليسَ البُكاءُ وإنْ أُطيلَ بمقنِعي .. الخطْبُ أعظمُ قيمةً من أدْمُعي

أمَّا قبل؛ فإنَّ فرعون عَلا في الأرضِ واستكبَّرَ وتجبَّر، وعاث فيها فسادًا وخرابًا، قتَّل وشرَّدَ وسَجَنَ، لمْ يفرِّق بينَ شيخٍ أو طفلٍ أو رجلٍ أو امرأة، فرَّقَ الناسَ شيَعًا وجماعات، يستضعِفْ طائفةً منهم شهدوا لله بالوحدانية بعد أنْ شهدَ فرعونُ لنفسه بالربوبية، فما ضعفوا وما استكانوا، ورسخَ في قرارتِهم أنَّ الحاكميَّة لله لا لسواه، وآمنوا أنَّ كيد فرعون وهامان وجنودهما في تباب، وما كانَ هذا العلوُّ والبطشُ والجبروتُ إلا بدايةً لنصرٍ من الله وفتحٍ قريب ينوله الصابرون المتقون.

الظُّلامَ منذ الأزَلِ قدْ حلَّتْ بهم لعنةُ التعالي والاستكبار فظنُّوا ألا زوال، وتجرَّؤوا وأنفسَهم ألَّهوا، وكانَ التعنُّتُ صفةً لازمةً لهم ما داموا أحياء غيرَ عاجزين، بل وصل بهم الحدُّ للسخريةِ والتحدِّي لعقيدة الصالحين

{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}، إمامةٌ من قلب الضعف والهوان، إمامةٌ رغم التجويع والتشريد والتنكيل، إمامةٌ رغم الوعيد والتهديد.. {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}، وبعدَ النصرِ تثبيتٌ ورسوخ تقرُّ به الأعين وتطمئنُّ له القلوب، وما خشيَه أولئك الظالمون من زوالِ ملكهم فعاثوا في الأرض فسادًا ليحولوا دون وقوعه حاصلٌ لا ريب! هكذا بدأت الحكاية منذ الأزل، سبقتْ النتيجة التفاصيل، وسبقَ النصرُ محنَه وابتلاءاتِه بالبشرى قبل أنْ تسيرَ القافلة ليرسخَ في القلوبِ أنْ مهمَا رأتْ وجرى، مهما وقعَ عليها من أذى فوعدُ الله آتٍ وسائل الله لا يخيب!

إنَّ الإيمانَ بالنصرِ واجبٌ حتميٌّ مفروض، وقناعةٌ كالرواسي راسخةٌ لا تتبدَّلُ، ثابتةٌ لا تحكمها المتغيِّراتُ مهما أوقعتْ في النَّفس من خِيفةٍ وشكٍّ.. {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}، فمنْ لا يتحمَّلُ تكاليفَ النصرِ ومنْ هو منه في شكٍّ فليقعدْ معَ الخوالفِ وليندبْ حظَّه ويفجِّرْ غيظَه فتغمرَه حسرةٌ فوقَ حسرة، ومنْ كان يعبدُ الله على حرفٍ في معمعة الفتنِ فمصيرهم أنْ ينقلبوا على وجوههم خسروا دنياهم وآخرتَهم، وما هذا إلا خسرانٌ مبين، ومن آمنَ فليتحمَّلْ أعباء ذلك، ولينظرْ في قصص الأولين.

أمُّ موسى عليها السلام، تلقي بفلذة كبدِها في اليمِّ رضيعًا عاجزًا لا يملكُ من أسباب الحولِ والقوَّة شيئًا، واليمُّ في زمانِنا قدْ يكونُ سجنًا أو منفى أو زنزانةً لا تملكُ فيه أيَّ سببٍ من أسباب القوَّة والتمكين، ولكنَّك تملكُ فيه سببًا من أسباب الزوالِ لظلمٍ طالَ أمدُه وتفحَّش.. {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا}، ولو بعدَ حينٍ فإنَّ ساعة المواجهة قادمة ووعدُ الله سيتحقَّق.. {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}، فاستجاب الله لموسى عليه السلام دعوتيه وزادَه تفضُّلًا بما لمْ يسأله، ليرجحَ ميزانُ الغَلَبة لمن اتبَّع سبيلَ الحقِّ بآياتِ الله العظامِ.. {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}.

إنَّ الظُّلامَ منذ الأزَلِ قدْ حلَّتْ بهم لعنةُ التعالي والاستكبار فظنُّوا ألا زوال، وتجرَّؤوا وأنفسَهم ألَّهوا.. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي}، كانَ هذا التعنُّتُ صفةً لازمةً لهم ما داموا أحياء غيرَ عاجزين، بل وصل بهم الحدُّ للسخريةِ والتحدِّي لعقيدة الصالحين.. {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ}، ورغمَ قوَّتهم إلا أنَّ عابدًا موحِّدًا لله قضَّ مضاجعِهم وجعلَهم منْ أمرِهم في شكٍّ فآثروا قتلَه خشيةَ أنْ يفضحَهم.. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ }، وغلَّفوا ذلكَ بمحاكماتٍ وتهُمٍ حاكوها في ليلٍ دامس ليسدلوا الستار على البدرِ في طلعتِه يهتدي به الناس ليعرفوا الحقَّ ويسيروا بنورِه، وعنونوا أنَّ قتلَه مصلحةٌ دينيَّةٌ واجبة وحفظٌ للأمنِ والسَّلام.. {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}.

ولكنَّ موسى عليه السلام بقيَ راسخ الإيمان لا يزحزحه ذلك الجبل الشاهق، ولكنَّه لمْ يكنْ وحدَه، وزمنُ الصمتِ آذنَ بالانتهاء، وكلمةُ الحقِّ لا بُدَّ أنْ تقال.. {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ }، نعم؛ قدْ كتمَ من قبلُ ولكنْ ليسَ بعدَ الآن، شهادةُ حقٍّ لمؤمنٍ تجاه مؤمن، فيا أيَّها العلماء الصامتون عن الظلم ما قولكم؟ ألم يأنِ لصمتكم أنْ ينتهي؟! ألمْ يأنِ لكتمانكم أنْ يبوحَ حقًّا؟!

أمَّا أنتمْ أبناءَ جلدتِنا أبناء العروبة -ربَّما- أبناء الدينِ -لعلَّ- فاسمعوا فصلَ الخطاب واسمعوا أصواتنا المتعبة حناجرَنا التي بحَّتْ تعاتبكم وتقول.. {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ }، لكم القوَّةُ والجبروت، لكم البطشُ والتجبُّرُ، لكمُ الحصارُ والغلَبة، ولكنْ مَنْ لكم مِنْ بأس الله حينَ يجيءُ؟، وبضحكاتٍ وقهقهاتٍ وتكبُّرٍ وتجبُّر نطقَ فرعونُ وفراعنةُ هذا الزَّمن بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة المغموسة بسياط الديكتاتورية وبحبلِ مشنقةِ الوعيد.

أنا لمْ أكتبْ مقالي هذا لأعزِّيَ الشيخَ في مماته قبل مقتله، ولا لأشحذَ منْ معنواياتِه، أنا أكتبُ لأذكر نفسي وإياكم، أن تكاليف الدعوة شاقة، والحملُ ثقيل، أنها حيَّةٌ خالدةٌ، نحن فقط من نحيى ونفنى

{قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}، والله لسنا نخشى على شيخنا سلمان العودة ومنْ معه فأولئك في ذمة الله وإنَّ الله بهمْ أرحم وباطنُ الأرضِ لهم خيرٌ من ظاهرِها، ولكنَّ الخشية على منْ سكتَ دهرًا عن ظلمِ الطاغوت والجبروت، عمَّنْ داهنَ بفتوى لا خروج وإنْ طغى السلطان، عمَّنْ أدارَ ظهرَه وراج يجمعُ المال وفتاتَ الدنيا ليقتات ويعيش عيشًا رغيدًا.. {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ}، ولكنَّ الخشيةَ على من سمعُوا صوتَ الداعي ينادي للإيمان أنْ آمنوا بربكم، فجعلوا أصابعهم في آذنهم، وقالوا: طاعة وليِّ الأمرِ ولو تغلَّبَ وقتَّل وظلَم فوق كلِّ طاعة.. {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ}، ولكنَّ الخشيةَ ليستْ على الذي صدعَ بالحقِّ بما يؤمرُ، على منْ فوَّضَ أمرَه لله فهو في حمى الله.. {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ}.

ذكرَ ابنُ الجوزيِّ في كتابه تلبيس إبليس: "وبإسناد عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَدَ بْن حنبل، أنَّه كان يَقُول: كنتُ كثيرًا أسمع والدي أَحْمَد بْن حبنل، يَقُول: رحم اللهُ أبا الهيثم، فقلتُ: من أَبُو الهيثم؟ فَقَالَ: أَبُو الهيثم الحداد لما مددتُ يدي إِلَى العقاب وأخرجت للسياط إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي، ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا، قَالَ: أنا أَبُو الهيثم العيار اللص الطرار مكتوبٌ فِي ديوان أمير المؤمنين أنِّي ضُربتُ ثمانيةَ عشرةَ ألف سوطٍ بالتفاريق، وصبرتُ فِي ذلك عَلَى طاعة الشَّيْطَان لأجل الدنيا، فاصبرْ أنتَ فِي طاعة الرَّحْمَن لأجل الدِّين."

فكيف وأبو الهيثم هذا يصبرُ كلَّ هذا الصبرِ على المعصية بألَّا يصبرَ أهل الدينِ والتقوى وأحباب الله على بطش الطاغوت وجبروته؟! ونحسبُ شيوخَنا كسلمان العودة ومنْ معه من الصابرين، ونشفقّ على أنفسِنا وعلى أصحاب العمائم واللحى منْ سكتوا خوفًا فهذا زمنٌ ملعونٌ فيه الكتمان، وأقولُ حتى لو قُتلَ العودة ولو قُتلَ مرسي ولو وقُتل فالدعوةُ ماضية ومن باعَ نفسَه لله فقد ربِح البيعَ بضمانةِ رب الأرضين والسماوات.

أنا لمْ أكتبْ مقالي هذا لأعزِّيَ الشيخَ في مماته قبل مقتله، ولا لأشحذَ منْ معنواياتِه، أنا أكتبُ لأذكر نفسي وإياكم، أن تكاليف الدعوة شاقة، والحملُ ثقيل، أنها حيَّةٌ خالدةٌ، نحن فقط من نحيى ونفنى، لأكرر القول: منْ كانَ يعبدُ محمدًا فإنَّ محمدًا قدْ ماتَ، ومنْ كانَ يعبدُ الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت.. {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}، ولأذكركم بإيمانِ سحرة فرعون بالذين تهددهم التقطيع والتقتيل والتصليب فثبتوا وقالوا لقاضي الدنيا.. {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}. لنْ ينفعَ شيخَنا البكاء ولا العويل، ولكنْ سينفعه أنَّ دعوته ودعوةَ إخوتِه جميعًا لا بدَّ أنْ تمضيَ وشعارُها.. {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}!