اتفاقية أوسلو.. كيف تكون خائنا بحماية القانون؟

الخميس 13 سبتمبر 2018 04:15 م بتوقيت القدس المحتلة

اتفاقية أوسلو.. كيف تكون خائنا بحماية القانون؟

بقلم الكاتب والإعلامي: ماجد الزبدة

بمناسبة ذكرى مرور ربع قرن على اتفاقية أوسلو المشئومة التي مزقت الفلسطينيين وأضاعت الهوية الفلسطينية وتشتت الشمل الفلسطيني نقف عند أبرز ملامحها اليوم: تنازلت منظمة التحرير الفلسطينية في تلك الاتفاقية عن ثمانية وسبعين بالمائة من أرض فلسطين التاريخية للاحتلال الصهيوني وبالتالي خرجت تلقائيا كامل تلك المساحة من دائرة التفاوض مما وجّه طعنةً نجلاء لملايين اللاجئين الفلسطينيين الذي كانوا ولا زالوا يحلمون بالعودة إلى ديارهم التي باتت باعترافٍ وإقرارٍ فلسطيني أرضاً إسرائيلية لا يحق للاجئين الفلسطينيين المطالبة بحق العودة إليها.

مقابل تنازل المنظمة الفادح عن فلسطين لم تعترف دولة الاحتلال للشعب الفلسطيني بدولة مستقلة، بل أقرّت بأن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بهدف إضفاء شرعية قانونية على تنازل الموقِّعين الفلسطينيين عن أرض فلسطين ولسان حال الاحتلال يقول: ها قد تنازل ممثلو الشعب الفلسطيني عن أرضهم طوعا، متجاهلاً أن حركات فلسطينية ذات ثقل شعبي كبير غير منضوية تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية وأن فصائل المنظمة الوازنة كالجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين رفضت الاتفاق بشكل مطلَق.

بعد ربع قرن من الزمن اتضح جلياً بأن اتفاقية أوسلو كانت خطيئة كبرى ارتكبها المفاوض الفلسطيني، فلا دولة فلسطينية أقيمت، ولا القدس تحررت، ولا عودة اللاجئين الفلسطينيين تحققت، وفي المقابل أضحت الأرض الفلسطينية بفِعل الاتفاقية نهباً للاستيطان الصهيوني، وتصاعد التغوّل الصهيوني على الفلسطينيين إمّا بالاعتقال أو الإعدام دون رحمة في طرقات القدس أو على الحواجز العسكرية بالضفة وإما قتله عمداً تحت الحصار مرضاً أو قصفاً بالطائرات أو قنصاً بالرصاص على حدود غزة.

فتحت اتفاقية أوسلو باب التطبيع مع دولة الاحتلال على مصراعيه، ومنحت دولة الاحتلال هامشا كبيرا في مراكمة قوتها على الصعيد الدولي دبلوماسيا واقتصاديا

لقد تسببت الاتفاقية المشينة بتشتت جموع الشعب الفلسطيني بين لاجئ مشرد خارج الوطن أضحى لا يجد من يمثّله أو يدافع عنه أمام المحافل الدولية، ومقاوم محاصَر في غزة بأيادي صهيوني وأخرى عربية وثالثة فلسطينية، وبين فلسطيني يفخر علناً بملاحقته المقاومة الفلسطينية وحراسته لمستوطنات الاحتلال التي تسيطر على مصادر المياه الجوفية الفلسطينية وتغتصب أكثر من ستين بالمائة من أراضي الضفة المحتلة.

اتضح جليا بعد خمسة وعشرين عاما من توقيع الاتفاقية أنها كانت فخاً وقعت فيه حركة فتح التي وقعت الاتفاق دون توافق فلسطيني، فقد أصبح المال السياسي الذي تستلمه شهريا عبر المقاصة من الاحتلال هو الرئة التي تتنفس منها السلطة الفلسطينية وحركة فتح نفسها، وأضحت الحركة منقسمة على نفسها فهي اليوم تلاحق عدد من قياداتها، وتتناسى قيادتها المغيبة في سجون الاحتلال، وتتجاهل عمدا فك لغز جريمة اغتيال زعيمها ياسر عرفات، وباتت هياكل الحركة التنظيمية مهلهلة لا تعبر عن الجموع المتناثرة من مناصريها، وأخطر نتائج الاتفاقية سلبا على فتح هو انتقال الحركة من واقع مقاومة الاحتلال إلى حمايته وحراسة مستوطنيه في الضفة، بل ومحاربة المقاومة الفلسطينية المسلحة حيثما وُجِدت.

فتحت اتفاقية أوسلو باب التطبيع مع دولة الاحتلال على مصراعيه، ومنحت دولة الاحتلال هامشا كبيرا في مراكمة قوتها على الصعيد الدولي دبلوماسيا واقتصاديا، حيث أصبحت شركات عالمية مثل نستلة وانتل وموتورولا وماكدونالز وكوكاكولا وغيرها من الشركات المشهورة دولياً لا تجد غضاضة في دعم دولة الاحتلال أو التعامل مع شركات دولة الاحتلال المُقامة على أراض فلسطينية مغتصبة في الضفة المحتلة، كما شكّلت الاتفاقية غطاءً سياسياً للعديد من الأنظمة العربية والإسلامية التي هرولت سرا وعلانية نحو نسج علاقات دبلوماسية مع دولة الاحتلال تحت شعار: لن نكون ملكيّين أكثر من الملك الفلسطيني الذي خطى خطوته الأولى نحو التطبيع مع الاحتلال.

بعد مرور ربع قرن من الزمن لم يتبق من اتفاقية أوسلو في الميدان سوى عملية التنسيق الأمني اليومي الذي تقدسه قيادة السلطة الفلسطينية وتقوم بموجبه بتبادل المعلومات والاعتقالات لرجال المقاومة الفلسطينية في الضفة المحتلة، في مشهد يشبه إلى حد ما إجراءات حكومة فيشي الفرنسية إبان الاحتلال الألماني لفرنسا، ولا يبتعد في شكله العام عن ميليشات أنطوان لحد اللبنانية التي تشكلت بدعم من جيش الاحتلال خلال منتصف سبعينيات القرن الماضي. اليوم وبعدما حل بنا كشعب فلسطيني من كوارث ومآسي نتيجة اتفاقية أوسلوا المشؤومة، يحق لنا أن نتساءل: أما آن لنا كفلسطينيين أن نُنهي هذه الحقبة السياسية المتردية من تاريخ شعبنا، ونسعى بشتى الوسائل للتحلل من هذا الاتفاق الذي أضحت نتائجه الوخيمة تمثل خطراً حقيقيا على مجمل الحقوق الفلسطينية؟