لِمَ لَْمْ نعد نستلذُّ بالصلاة؟

الأحد 16 سبتمبر 2018 06:50 م بتوقيت القدس المحتلة

لِمَ لَْمْ نعد نستلذُّ بالصلاة؟

بقلم الكاتب والمدون: سفيان الغانمي

بدون شك كل واحد منا لا بد وأن يأتي يوما، تضيق به هذه الدنيا، فتغدوا مع شساعتها أشبه بقفص صغير، أو أشبه بزنزانة انفرادية، نظل نقاسي فيها أشد أنواع العذاب، النفسي والجسدي وربما الأشد هو الألم الروحي، لكل واحد منا له طرق كثيرة للتخلص من نكد هذه الحالة، هناك من يلجأ مثلاً إلى مشاهدة الأفلام، أو الاستماع للموسيقى أو القرآن، أو الجلوس أمام البحر، أو ممارسة اليوغا...الخ، لكن هناك أمر أيسر من هذه الأمور كلها، ونمارسه أكثر من مرة في اليوم بغية هذا الغرض، لكن للأسف ذلك بدون جدوى. الصلاة.. كلنا يحفظ العبارة النبوية" أرحنا بها يا بلال" لكن هل فعلا اليوم نرتاح في صلواتنا، هل فعلا عندما ننتهي من الصلاة نشعر بذاك الاطمئنان، وبانزياح ذاك الثقل من الهموم من على كاهلنا، لكن السؤال الأهم هو هل فعلا نحن نمارس هذه الشعيرة لهذا الغرض؟ لا أعتقد.

لعل معظم الشباب اليوم إذا سألته هل تتلذذ بصلاتك، سيكون الجواب بالنفي، هذا إذا أجابك بصدق، إلا القليل طبعا، ذلك لسبب بسيط، وهو أنه عندما يمارس الصلاة لا يتذكر شيئا منها، إذا كان مع الإمام فبها ونعمت، فعلى الأقل سيتأكد من عدد الركعات التي صلاها، أما إذا كان وحده فإنه لا يدر حتى كم عدد الركعات التي صلاها، عندما تسأله عن السبب ستجد أنه لا يدري، كل ما يعرفه أنه ما إن يشرع في الصلاة حتى يجد نفسه يسبح في بحار من الأفكار، إلى أن ينتهي من صلاته، هذه المسألة طبعا تسمى وسوسة الشيطان، لكن ما السبب يا تر، وهل فعلا نحن عاجزون عن دفعه؟، بالتأكيد لا طبعا.

اطلع على أسرار سورة الفاتحة العظيمة إنها كنز من كنوز الله، فيها انطوت جل معاني القرآن، وإلا لم جعلها الله وحدها تكفي في الصلاة

هناك أمر أساسي ومهم وهو النية التي تقبل بها على الصلاة، لم نصل أساسا، هل لمجرد أن نزيح ذاك الثقل الذي نرزح تحته أقصد ثقل الفريضة الواجبة، أم تر أننا نصل لأجل غرض أسمى، نصل لنطهر هذا الجسد من دنس الذنوب، نصل لترشف أرواحنا من ماء الرحمة والسكينة، نصل لنتخلص من ثقل هذا الجسد ونمنح أرواحنا فرصة لترفرف في سماء الأنوار، نصل لأننا لم نعد نستطيع تحمل هذا الظلم الذي يمارس في الأرض، الصلاة هي فرصة لتتخلص فيها الروح من هذا الجسد وتطأ رحاب ملكوت الله عز وجل.

مثلا هل سألت نفسك يوما ما وأنت مقبل على الصلاة، لم تفتتح صلاتك بتكبيرة الإحرام، لم هذه اللفظة بالذات "الله أكبر"، قبل أن تُقبل تأمل قليلا في هذا اللفظ، "الله أكبر" ثَمَّ السر صدقني، أنت تقبل وذهنك مشغول بهموم الدنيا، بشتى أنواعها، كيف تتدبر أمور معاشك، مستقبلك، دراستك، مشاكلك كلها تطرح بهاته اللفظة "الله أكبر"، أنت تُقرّ أن لا شيء أكبر من الله، يعني انس كل همومك وتوجه إليه، أطلب منه ما تشاء وادعه أن يزيح عنك همك، لأنه إذا أراد أحد منا أن يكلمه الله فليقرأ كتابه وإذا أراد أن يكلم هو الله فليصل في بيته عز وجل، لا تنس أنك عندما تقبل على الصلاة فإنك تكون بين يدي الله استشعر هذا الأمر وأنت تقف في الصلاة، تخيل أنك بين يدي الله ومباح لك أن تطلب منه ما تشاء، دون أن يمل من طلبك بل على العكس فإن الله يفرح بدعوة العبد إذا دعاه.

بعد تكبيرة الإحرام ستقرأ الفاتحة، اطلع على أسرار هذه السورة العظيمة إنها كنز من كنوز الله، فيها انطوت جل معاني القرآن، وإلا لم جعلها الله وحدها تكفي في الصلاة، الفاتحة وحدها هي الفريضة وبالتالي فهي لا تجبر بسجود السهو، بخلاف السورة فإنها تجبر بسجود السهو، معظم الذين يشردون في الصلاة يتناسون هذا الأمر، وبالتالي فهم يتركون فرصة للشيطان لكي يسرق منهم هذه الفريضة التي تجبر، تنبه وأنت في صلاتك إلى هذا الأمر، إذا ظللت متيقظا أثناء قراءة هذه السورة ما أظنه يستطيع مقاومتك فيما دونها، ثم إذا خنس لك الشيطان اتفل على يسارك ثلاثا واستعد بالله حينها سيذهب عنك وهذا أمر مجرب.

حتى تطمئن لا بد وأن تزيح عنك كل ما يشغل ذهنك، حاول أن تخلِّص نفسك لله سبحانه وتعالى وحده ولو في هذه الدقائق القليلة

هناك قصة عجيبة حدثت في عهده صلى الله عليه وسلم، بينما هو جالس ذات يوم في المسجد إذ برجل يدخل المسجد ثم صلى كما اعتاد أن يصلي، غير أن النبي صلى الله عليه لما انتهى الرجل وسلم عليه، قال له ارجع فصل فإنك لم تصل، فعاد الرجل وصلى مثل صلاته، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر له أمره كلما انتهى، في المرة الثالثة، قال له والذي بعثك بالحق، ما أحسن غيره، علمني يارسول الله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ معك مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً. وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا.

للحديث طرق أخرى طبعا مختلفة، وهذا الحديث يعتبر عند العلماء العمدة في إثبات أركان الصلاة، لكن ما يهني هنا هو تركيزه صلى الله عليه وسلم على قوله "حتى تطمئن راكعا"، "حتى تعتدل قائما"، "حتى تطمئن ساجدا"، هذا الأمر بالذات هو الذي سيجعلك تستلذ بصلاتك، وحتى تطمئن لا بد وأن تزيح عنك كل ما يشغل ذهنك، حاول أن تخلِّص نفسك لله سبحانه وتعالى وحده ولو في هذه الدقائق القليلة. طبعا لا نغفل أمرا آخر كذلك، وهو استشعار واستحضار معاني الدعاء الذي نقوله في الصلاة، كثير منا يردد أدعية وهو جاهل لمعناها، لو استحضرت معانيها وأنت ترددها ستشعر وقتذاك بلذتها، أو حينها ستعرف بالضبط ما الذي تطلبه.