التنمية البشرية.. بيع للأوهام وتحايل على الناس!

الخميس 20 سبتمبر 2018 05:03 م بتوقيت القدس المحتلة

التنمية البشرية.. بيع للأوهام وتحايل على الناس!

بقلم المدرب والخبير في التنمية الذاتية والمعالج النفسي: غيث السويسي

دعنا أولا نتفق كون تسمية التنمية البشرية هي التسمية الخاطئة لهذا المجال الجديد والذي برز باعتبار الحاجة إلى متنفس جديد ومختلف يلجأ إليه الباحثون عن تنمية قدراتهم الذاتية المتعلقة أساسا بنمط الحياة، السلوك أوالعاطفة، والذي ظهر بالأساس ليملأ الفراغات التي لا ينتبه لها علم النفس ويسد الثغرات خاصة في مستوى العلاقة بين الطبيب النفسي والمريض، ويرفع الحرج عن هؤلاء الذين لديهم مشاكل وإضطرابات لا ترتقي لمستوى المرض النفسي والذين يتجنّبون الذهاب للطبيب لإيجاد الحلول لها بإعتبار الفكرة السائدة في مجتمعاتنا العربية عن كون عيادة طبيب نفسي تعني بالأساس الجنون أو إختلال المدارك العقلية!

فالتنمية البشرية هي مجال يتعلق بالمجتمعات والشعوب أي بالمجموعة أساسا وتختلط فيه السياسة بالدين والاقتصاد ويتحدد فيه نمو الأفراد بالمسار الفكري والطبيعة الاجتماعية! أما المجال المتعلق بتنمية قدرات الأشخاص النفسية والمعنوية والمهارية أيضا فهو يسمّى بمجال التنمية الذاتية!

لا خلفية فكرية ولا نظرية يتّبعها هؤلاء بل هي مجرّد كلمات جميلة وحكم قديمة يعيدون صياغتها من جديد

مدرّب التنمية الذاتية هذه المهنة الظاهرة والتي يمتهنها كل من لا عمل له في الحقيقة، كل الباحثين عن الظهور والتسيّد ومدّعي الكمال والحكمة، ففي كل بلد عربي تجد تقريبا مئات من هؤلاء ممّن صاروا بين ليلة وضحاها حكماء قادرين على قلب حياة الأشخاص وانتشالهم من التعاسة النّفسية وهنا يدفعني التساؤل كخبير في التنمية الذاتية أمضى سنوات طويلة في البحث، التدرّب والتكوين، من أين اكتسب هؤلاء الشرعيّة أوالتكوين اللازم في وقت قصير حتّى يستطيعوا التعامل مع نفسيات هشّة لأشخاص يعانون في الواقع من إضطرابات عميقة وخطيرة؟

لو أعدنا النّظر مليا سنجد أن قراءة كتاب واحد أو مشاهدة بعض الفيديوهات على اليوتيوب أو ربّما حضور دورة تدريبية تمتد على يومين والحصول بعدها على شهادة زائفة كان كافيا لأغلبهم لفتح مكاتب، إستقبال الناس والعبث بنفسياتهم وخاصة استغلال حاجتهم لحلول فوريّة وحقيقية بعيدة عن النظريات الفاشلة التي لا زال يتبناها بعض أطباء علم النفس!

لا خلفية فكرية ولا نظرية يتّبعها هؤلاء بل هي مجرّد كلمات جميلة وحكم قديمة يعيدون صياغتها من جديد، قليل من الكاريزما يكفي لإقناع الشخص الجالس أمامك وبإمكانك طبعا استعمال بعض الآيات القرآنية في حال شعرت بعدم رضاه وتململه وذلك حتّى تغلق عليه باب التعقيب على خطابك والجدال!

هؤلاء تافهون ومجرمون أيضا في حق النّاس فهم لا يدرون حقا تأثير كلماتهم على نفسيّة من يتعاملون معهم، يظنّون كون الكلمات الجميلة والتشجيع دائما ما تترك أثرا طيبا وتخلّف وقعا رائعا في قلوب الذين يعانون من إضطرابات نفسية وهم في الحقيقة يجهلون كون الأثر عكسي في الغالب! فأنت لا تعلم أصلا سلوك جهازه النّفسي ولا مقدرة نظرية لك أو فكرية تؤهلك لتشخيص إضطرابه ولا دراية لك أيضا بردات فعل جهازه النفسي الظاهرية والباطنية التي قد تؤدي به من كلمة بسيطة ولو كانت تحفيزيّة إلى التّفكير في الموت والانتحار!

يجب أن تكون مُحايدا في هذا العمل وتملك القدرة على التّسامح واستيعاب الأفكار المختلفة

أريد أن أخبركم هنا أنّ العمل كمدرّب تنمية ذاتية يتطّلب منك تبنّي خلفية فكريّة وإتّباع مدرسة نظرية معينة حول التّركيبة النّفسية للبشر، يُفرض عليك أيضا تدريب خاص تطبيقيّ و نظريّ حول مراحل التنمية النّفسية والبدنيّة لإرتباطهما المباشر ببعض وذلك حتّى تتمكّن من فهم المعاني الباطنية السلوكية والمعنوية للأشخاص!

تنمية القدرات الذاتية لأحدهم ليست بالعمل السّهل فهي تتطلّب التّشخيص الدقيق! والتّشخيص هنا هو في حد ذاته علم متكامل الأركان ثمّ المرور به للسبع المراحل الأولى من التّنمية النفسية حتّى تستطيع العمل بعد ذلك على مؤهلاته الذاتيّة!

كلّ هذا يُوجب دراية واسعة وتمكّنا عميقا بالأساليب والتّقنيات، حسّا إنسانيا مرهفا وخطابا خاليا من الدّين ومختلف التوجّهات العقائدية الإيديولوجية! يجب أن تكون مُحايدا في هذا العمل وتملك القدرة على التّسامح واستيعاب الأفكار المختلفة والغريبة! التّفتّح مهمّ والقدرة الشديدة على محبّة كل من يجلس أمامك طالبا مساعدتك..