ورطتي الكبيرة.. في بيتنا باربي!

السبت 22 سبتمبر 2018 01:47 م بتوقيت القدس المحتلة

ورطتي الكبيرة.. في بيتنا باربي!

بقلم الكاتبة الصحفية: مي ملكاوي

كانت ورطتي كبيرة إلى حد ما عندما جاءتنا هدية لابنتي هي لعبة على هيئة "باربي"، وكانت هي بالتأكيد أول من يفتح الهدية الورطة، ليصبح أمر اللعب بها واقعا محتما. ملامح اللعبة بوجهها المزركش بالـ"make up" وجسمها الأنثوي ينطق بكل ما لم أكن أريد لطفلتي أن تفكر فيه، على الأقل في هذا العمر الصغير، لكنها أمسكت باللعبة وراحت تمسد شعرها وتنظر إلى فستانها وهي مستغربة... وفجأة سألتني: هل هذه ماما؟

كان السؤال بالنسبة لي منقذا من السماء، ولكنه مشكلة أخرى في الوقت نفسه.. قطعا كان مرد سؤالها إلى ملامح اللعبة التي تشبه الأم وليس الطفل كما اعتادت في ألعابها، فكانت إجابتي: بالتأكيد حبيبتي هذه ماما... ولحسن الحظ فقد كان لدينا لعبة أخرى صغيرة على هيئة طفلة، فجمعتهما وقلت: هذه ماما... وهذه ابنتها.

لم تكن الإجابة حلا بالنسبة لي أو مسوغا للاحتفاظ باللعبة، ولحسن حظي أن ميرة كانت في عمر أستطيع معه أن أنسيها اللعبة، فقمت بإخفائها ونسيتها في اليوم التالي، وربما أكون محظوظة حتى اليوم أن ميرة لم تصادف اللعبة في أيدي البنات أو في السوق حتى لا تطلبها، لكن الأمر سيأتي لا محالة، ولهذاعلي أن أتسلح بالطريقة الأمثل لإقناعها بعدم اقتنائها... على الأقل في هذه المرحلة من عمرها الصغير هي وأختيها.

هذه اللعبة تساهم في تهبيط ثقة الفتيات بأنفسهن وبأجسادهن عندما يكبرن ويكتشفن أنهن لا يشبهنها، كما أن اللعبة تلفت انتباه الفتيات الى أهمية المظهر كأساس للنجاح وليس الذكاء او الاجتهاد

لعبة باربي وما يشابهها لا تزال نقطة خلاف بيني وبين إحدى أخواتي حينما جلبت لابنتها لعبة باربي وهي بنفس عمر ابنتي، لكنها دافعت عن الأمر بقولها إنني أبالغ وأن الأمر ليس بذلك السوء، وبأنها لعبت بها حتى ملت وهي صغيرة ولم تؤثر عليها، فلماذا ستمنعها عن ابنتها.

وموضوع اللعبة كان، أيضاً، محل نقاش حاد بيني وبين صديقات أخريات لي كلهن أمهات، لم يتفقن معي في مسألة منع لعبة باربي وشبيهاتها عن بناتي، حتى أن إحداهن قالت لي: "أنتِ دائماً تعترضين على أشياء عادية يمارسها كل الأطفال: عدد ساعات التلفزيون... ماذا يشاهدون، ماذا يأكلون... والآن تعترضين على لعبة، أعتقد بأن الأمر مبالغ فيه".

خلافي مع صديقاتي على موضوع اللعب بشكل عام طبيعي، لأن الظاهر أن غالبية الآباء والأمهات لا ينتبهون كثيرا إلى نوعية الألعاب التي يلعب بها أبناؤهم، فطالما أنهم يلعبون وينشغلون فإن هذا هو المهم.

ليس الأمر وليد اللحظة أو أنني أختلقه من اللاشيء، فتأثير لعبة باربي المعروفة محل دراسة بشكل مستمر من قبل التربويين في العالم وفي أمريكا بلاد باربي الأم، فقد بدأت الشكوك تحوم حول سلبيات اللعبة الجميلة على عقول الفتيات الصغيرات مطلع التسعينيات إن لم يكن قبل ذلك، فلا يتعلق الأمر فقط بجسدها المتكامل الصفات، بل أيضا بسلوكيات أخرى أظهرتها اللعبة ومارستها كحبها للتسوق وتفضيلها شراء الثياب على التفكير في دروسها، حتى أن أحد المشرعين في ولاية غرب فرجينيا اقترح حظر بيعها في الولاية.

هذه اللعبة تساهم في تهبيط ثقة الفتيات بأنفسهن وبأجسادهن عندما يكبرن ويكتشفن أنهن لا يشبهنها، لأن دراسة أجريت في أمريكا في التسعينيات أظهرت أن واحدة من كل ألف فتاة فقط يمكن أن يكون لديها جسد كجسد باربي، كما أن اللعبة تلفت انتباه الفتيات إلى أهمية المظهر كأساس للنجاح وليس الذكاء أو الاجتهاد، وهو ما يدمر كل جهود منظمات حقوق المرأة حول العالم وفق الدراسة.

الشركة التي تنتج اللعبة أدركت كل تلك الانتقادات وبسبب انخفاض كبير في المبيعات قامت عام 2016 بإنتاج مجموعة من ألعاب باربي مختلفة الأشكال وألوان الجلد وأجسادهن غير متناسقة، كباربي القصيرة وباربي الطويلة والمكتنزة وباربي الممتلئة وذات النمش على الوجه وغير ذلك، ما سجل لصالح الشركة لكنه بقي مجرد هدف للانتشار ونوع من الاعتذار غير المعلن.

مؤخرا، أنتجت الشركة لعبة خاصة بالرياضية الأمريكية المسلمة ابتهاج محمد والتي مثلت أمريكا بأولوبياد عام 2016 كأول محجبة، حيث كرمتها الشركة بلعبة تشبهها وترتدي ثياب لعبة المبارزة التي تميزت بها ابتهاج وشاركت فيها بالأولومبياد. ورغم أن الأمر شكل مصدر سعادة لكثير من الفتيات المسلمات لكنني لم أكن سعيدة في الحقيقة.

وجدت بدائل كثيرة تغني عن اقنتاء باربي، فهناك لعب على هيئة فتيات صغيرات لا ملامح واضحة في أجسادهن ولا مكياج على وجوههن، يرتدين ثيابا متعددة كثياب بعض المهن كالطبيبة والمعلمة

ولم أكن سعيدة في ما مضى بلعبة "فلة" التي كانت أول لعبة شبيهة بباربي ولكن بحجاب وعباءة، ولم يعجبني أبدا إصدار لعب أخرى تشبه فتيات أصبحن مشهورات ومعروفات تحت مسمى "حجاربي"، فقد كنت وما زلت عند رأيي بأن الطفلات الصغيرات لا ينبغي أن يلعبن بدمى شبيهة بنساء كاملات الأنوثة والجسد.

وبنظرة عامة على الأسواق، فقد وجدت بدائل كثيرة تغني عن اقنتاء باربي، فهناك لعب على هيئة فتيات صغيرات لا ملامح واضحة في أجسادهن ولا مكياج على وجوههن، يرتدين ثيابا متعددة كثياب بعض المهن مثل الطبيبة والمعلمة أو الرياضية أو الفارسة وغير ذلك، وهي إذا ما قورنت بالباربي فهي رخيصة الثمن وبريئة التصرفات.

ورغم أن بناتي ما زلن في مراحل مبكرة من اللعب البريء الساذج، لكن ميرة مثلا مقتنعة بأن عليها فرد شعرها ولبس فستان طويل لكي تسمي نفسها "أميرة" وأحاول أنا بسذاجة إقناعها بأنك "أميرة بذكائك وتميزك وليس لأنك ترتدين الفستان" لكنها تشيح وجهها عني غالبا وتستمر باللعب، ما يُنبئ بأن مهمتي ستكون صعبة عندما تكتشف طفلاتي وجود تلك اللعبة الأنثى بيد صديقاتهن وقريناتهن ويبدأن بالمطالبة بها، عندها ربما ستبدأ معركتي الحقيقية.. ضد باربي وكل ما يحوم حولها بالتأكيد.