دبلوماسية السلطان.. كيف يسعى أردوغان لإحياء مجد الدولة العثمانية؟

الإثنين 01 أكتوبر 2018 01:40 م بتوقيت القدس المحتلة

دبلوماسية السلطان.. كيف يسعى أردوغان لإحياء مجد الدولة العثمانية؟

بقلم الباحث في العلوم السياسية: نيكولاي ديو غوندرسن

في رحلتنا الثالثة إلى اسطنبول، زرنا أنا وزوجتي قصر دولمة باهجة، الذي كان في السابق القلب الإداري للإمبراطورية العثمانية. عندما تجولنا في القصر الذي يحتوي على 285 غرفة، أعجبت زوجتي ليس فقط بمدى حسن صيانته، ولكن أيضا بحقيقة أنه واحد من خمسة قصور على الأقل من الحقبة العثمانية في تركيا التي تم تحويلها إلى متاحف مفتوحة للجمهور. إن في هذا دلالة مهمة جدا إذ أن ذلك يعتبر شيء نادر في بقية الشرق الأوسط والعالم العربي، حيث لا تزال مثل هذه الصروح قيد الاستخدام كقصور للملوك والمتنفذين – مثلا القصور التسعة في الأردن.

إن تركيا هي جمهورية حديثة ولدت من رحم الدولة العثمانية السابقة، التي تأسست في القرن الرابع عشر. لكن عدد قليل من الولايات السابقة الأخرى في الدولة العثمانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يمكنها أن تتباهى بتاريخ سياسي طويل مثل تركيا، حيث لا يصل عمر دول مثل الأردن حتى إلى مائة عام.

إن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يدرك جيدا هذه الحقيقة، فهو لا يميز بين الإمبراطورية العظمى تلك والجمهورية الحديثة في بلده، وكان قد أعلن في خطاب له في الآونة الأخيرة أن "الجمهورية التركية هي أيضا استمرار للعثمانيين".

بالنسبة لتركيا، فإن الدولة العثمانية هي أكبر من ذكرى. إنها رمز للنفوذ السياسي، وهي تمهّد لاحتمال عودة قيادتها للعالم الإسلامي. قد يجسّد هذه القوّة الرمزية القصر الرئاسي في أنقرة، وهو صرح شاهق يضاهي بل ويتفوّق في عظمته على قصور العديد من ملوك العصر الحديث. كلّف بناء القصر ما يزيد على 500 مليون دولار، و"القصر الأبيض" كما يعرف هو أكبر من البيت الأبيض حيث يسكن الرئيس ترامب أو الكرملين حيث يسكن الزعيم فلاديمير بوتين، وقد دفع خصوم أردوغان للقول إن الرئيس التركي بدأ يتصرف "كسلطان".

صدى الباب العالي

يسعى أردوغان للعودة إلى العصر الذهبي للإسلام. في هذا السياق، تقوم تركيا بزيادة تمويلها للمدارس الإسلامية - درس أردوغان في مدرسة إسلامية، التي تمت لاحقا إعادة تسميتها باسمه وتم تحديثها بكلفة 11 مليون دولار. وأكد أردوغان في احتفال لإعادة افتتاح مدرسة طفولته: "الهدف المشترك لكل مناهج التعليم ونظامنا التعليمي هو تربية الأشخاص الصالحين من خلال احترام تاريخهم وثقافتهم وقيمهم". وتشمل هذه القيم فهم الإنجازات العثمانية قبل الأفكار الغربية.

مع توغل الجيش التركي في شمال سوريا، يولي العالم العربي اهتمامًا أكبر لأنقرة. ويدعي أردوغان أن أنشطة تركيا حول بلدة عفرين الحدودية هي لمواجهة الميليشيات الكردية ذات الصلة بحزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره تركيا مجموعة إرهابية

فكرة "العظمة الداخلية" لتركيا هذه تنتشر في وقت ينمو فيه الحضور التركي بشكل متزايد على المسرح الاقليمي والعالمي. تتمتع تركيا حاليًا بمكانة بارزة كعضو في مجموعة العشرين لأكبر الاقتصادات العالمية، ويعتزم أردوغان الوصول إلى المراكز العشرة الأولى بحلول عام 2023 عندما تحل الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية على يد أتاتورك، الرئيس العلماني.

لقد بدأت تركيا منذ فترة بإعادة مد نفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، حيث قام أردوغان بالتعبير علناً عن دعمه لفلسطين، وزار الجزائر وغرب إفريقيا في فبراير، واستثمر في السودان، بما في ذلك فتح قاعدة بحرية جديدة مباشرة على البحر الأحمر. كما أن قيام تركيا بإعادة تأهيل المرفأ في جزيرة سواكن هناك، وهو ميناء عثماني سابق، له أهمية دينية، حيث أنه كان مركز عبور للحجاج المتوجهين إلى مكة والمدينة.

لكن ما هو أقوى من هذا الاتفاق الاستراتيجي هو رد أردوغان على قرار ترامب بالاعتراف من جانب واحد بالقدس كعاصمة لإسرائيل. كان أردوغان قد أدان خطط ترامب قبل الإعلان الرسمي، وبعده، لم يأت الرد من أي ملك عربي غير منتخب، بل من الرئيس التركي الذي استغل منصبه كرئيس دورة منظمة التعاون الإسلامي للدعوة إلى اجتماع طارئ للدول الإسلامية. خلال الاجتماع، شجب أردوغان تحرك ترامب كخط أحمر لكل المسلمين ويعتقد البعض أن القدس أعطت أردوغان أقوى حافز له حتى الآن ليظهر كقائد جديد للعالم الإسلامي.

كتب زيا ميرال، من مركز التحليل التاريخي وبحوث الصراع التابع للجيش البريطاني، أن أردوغان يسعى إلى حشد رد دولي من خلال التواصل مع القادة المسلمين وغير المسلمين، حتى بمهاجمة الرئيس الأمريكي شخصيا. "يا ترامب! ماذا تريد أن تفعل؟ "صاح أردوغان في ديسمبر الماضي. "القادة السياسيون لا يجب أن يثيروا المشاكل بل يجب أن يسعوا إلى صنع السلام!"

لكن في الوقت نفسه، فإن تركيا، مثل نظيراتها العربية، مجبرة أن توازن بين الخطاب والواقع. وكما هو الحال مع الأردن، تربط تركيا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، على الرغم من تجميدها بين عامي 2010 و 2016 بعد أن أغارت قوات الكوماندوز الإسرائيلية على سفينة تركية خلال حصار غزة عام 2010. ومع ذلك، فإن السعي البراغماتي لضمان الوصول إلى مصادر الطاقة أدى إلى استئناف تلك العلاقات.

مع توغل الجيش التركي في شمال سوريا، يولي العالم العربي اهتمامًا أكبر لأنقرة. ويدعي أردوغان أن أنشطة تركيا حول بلدة عفرين الحدودية هي لمواجهة الميليشيات الكردية ذات الصلة بحزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره تركيا مجموعة إرهابية.

يأتي التوغل عبر الحدود السورية في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري في يوليو 2016، والتطهير الذي تقوده تركيا منذ ذلك الحين ضد المسؤولين العسكريين والسياسيين. تدعي اينات الاعظري من منظمة Global Risk Insights إن عفرين تشكّل دليلا إضافيا على أن أردوغان لديه طموحات إقليمية تتحقق من خلال القوة الصلبة، حتى على حساب الدول الأخرى وهذا قد يحمل أخبار سيئة لدول مثل مصر والمملكة العربية السعودية.

اختتم الاجتماع الطارئ الذي دعا إليه أردوغان بشأن إعلان ترامب حول القدس بتعهد جميع الحاضرين بمكافحة الإرهاب والتغلب على الطائفية. وختم أردوغان قائلا "كمسلمين، لا يمكننا التغلب على الصعوبات التي نواجهها دون تحقيق الوحدة على الرغم من اختلافاتنا".

يبدو أنه على الرغم من خلافات تركيا مع العالم العربي، فإن قدرتها على ممارسة نفوذها هناك لا ينبغي إغفالها بعد اليوم.

-------------------------------------------------------------------------

مترجم عن (ذا كونفيرزيشن)

المصدر : مدونات الجزيرة