هل نحن بيئة خصبة للإرهاب والتطرف؟!

الخميس 04 أكتوبر 2018 07:57 م بتوقيت القدس المحتلة

هل نحن بيئة خصبة للإرهاب والتطرف؟!

بقلم المدونة اللبنانية: هانم جمعة

كان العنوان بحد ذاته مستفزاً إلى أبعدِ الحدود، فهو اتهام مبطّن بالتطرف، والقبول بورشةِ عملٍ، تعالجُ موضوع "التطرف العنيف"، هو بالنسبةِ لي اعتراف بالتطرف، وفرصة للدفاع عن أنفسنا كمجرمين أمام الجمعيات، والمدارس في صيدا. أكاد أُجزِم أن هذه الأفكار لم تراودني وحدي، بالطّبع راودت جميع المعلمين، الذين تلقوا الدعوة نفسها في مدارسهم. كوننا مدرسة إسلاميّة، هل نحن بيئة خصبة للإرهاب والتطرف؟ أم أن مدينة صيدا تعد اليوم مشبوهة! لماذا يختارونها دون غيرها من المدن؟ ماذا عن بيروت؟ وباقي مدن الشمال والجنوب؟

بعد جدالٍ طويل دار بيني وبين المنسِقة، مع العديد من الاستفسارات وعلامات الاستفهام، يرافقه صراع وجدانيّ ممزوج بالغضب. قررتُ خوضَ التجربة والالتحاق بورشة العمل المدعومة من البلدية، والموجهة إلى جميع مدارس صيدا. وعلى ما يبدو، ورشة العمل هذه لم تلقَ تِرحاباً، واستحساناً في معظم بلديات لبنان. ربما لنفس الأسباب التي راودتني في البداية، فاقتصر عمل الورشة، على كل من صيدا، طرابلس، ومجدل عنجر. كانت "شبكة المدن القويّة" الراعي الأوّل لورشة العمل، والتي هي بمثابة مبادرة عالميّة مدعومة من الدنمارك، للوقاية من التطرف العنيف على المستوى البلديّ. وقد استهدفت فئة الشباب وطلاب المدارس في صيدا.

بكلماتٍ لطيفةٍ وابتسامةٍ عريضة، رحبوا بنا في قاعة الفندق الغارق بين أشجار الصنوبر في بلدة عازور الجبليّة، معلمين ومعلمات، ممثلين عن مختلف المدارس في صيدا (حكومية وخاصة). وبعد التعارف بدأ الخّوض في التطرف. يشير التطرف بحسب خيالاتنا وأذهاننا، التي ما لبست أن سيطرة عليها وسائل الإعلام إلى الدين، لارتباطه الوثيق بالإسلام العنيف، فالإنسان المتطرف اليوم عبارة عن رجلٍ، ذو لحية طويلة ونظرةٍ مريبة، وتكشيرةٍ مخيفة، يرتدي عباءةً بيضاء.

التطرف ليس له علاقة بالدين فقط، ومحاولّة دمجه بالدّين الإسلاميّ، ما هو إلا حملة ممنهجة، لإسقاط مزيد من المصطلحات السلبيّة على الدين، بغية التّشويه والإساءة

هذا الرجل الكاره للمجتمع والنّاس، السّاعي لإصلاحِ كل شيء، باستخدام العنف الشديد، قتلاً كان أمم تعذيباً، حوّل المساجد لأوكارٍ من الإرهاب، والتّكفير، وتأنيب المجتمع وتهذيبّه. بالطّبع عملت داعش وشبيهاتها، على تنامي هذا المصطلح، وإلصاقه بالمسلمين أكثر فأكثر، ولا شكك أنها نجحت في ذلك. أدركتُ من خلال ورشة العمل، كم نحن كنا متطرفون فعلاً في معرفَتِنا حول التطرف، وكم بنينا عليهه أحكاماً متطرفةً بعيدةً عن الواقعِ الحقيقيّ له.

فبالعودة إلى مصطلح التطرف (extreme)، بعيداً عن هرطّقات وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، وبعيداً أيضاً عن خيالاتنا المحدودة. التطرف: هو كل فعل بعيد عن الوسطيّة، أي كل ما هو دون الوسطيّة والاعتدال. ففي كل يوم في حياتنا، نأخذ قرارات ربما تكون أقرب للتطرف، مثل المبالغة في تناول الطعام، أو حتى في وضع مساحيق التّجميل. أحياناً نكون متطرفين في الحب أو الكراهية، كذلك يدخل ضمن التطرف المبالغة في التّدخين، أو تناول العقاقير المخدرة، والعنف الأسريّ، والتّسرب المدرسي، التنمر... والقائمة تطول. إذاً يمكننا اعتبار التطرف مظلّة كبيرة، يندرج تحتها الكثير من القضايا والمشاكل، أو حتى التصرفات السلبيّة التي تصل لحد العنف.

باختصار التطرف ليس له علاقة بالدين فقط، ومحاولّة دمجه بالدّين الإسلاميّ، ما هو إلا حملة ممنهجة، لإسقاط مزيد من المصطلحات السلبيّة على الدين، بغية التّشويه والإساءة، وإن كان ذلك بالطرق الخفيّة، والمقنعة. ونبقى نحن المتلقي السلبيّ الذي يحفظ دون فهم، كل ما يُقدّم له على مائدة التّلفاز والهاتف. كما نلاحظ أيضاً أن التطرف حاضراً، وبقوّة في السّاحة الأوروبيّة، وفي شتّى المجالات، فمثلاً: وجود أحزاب اليمين المتطرف، والجمعيّات النسويّة مثل (فيمن) التي تستخدّم التّعري كوسيلة للمطالبة بحقوقها، ناهيك عن أعمال العنف والكراهيّة ضّد اللاجئين.

ممارسة الأنشطة الفنيّة والرياضيّة، وفتح أبواب الحوار، عامل صحيّ لتنمية نفسيّة واعية للطّفل، كونها تبني بيئة خصبة لمواجهة التطرف بجميع أشكاله البشعة

وفي نظرة سريعة حول مجتمعنا العربيّ عامّة، ولبنان خاصّة، قبل الغوص في مجتمعات الغرب وسياسته، نرى عندنا التطرف الواضح في الآراء. فنحن كل ما يلزمنا اليوم، هو العودة إلى الوسطيّة والاعتدال، اجتماعيا، سياسياً، دينياً أو حتى عاطفياً. ويكمن ذلك في المقام الأول في تقبّل الآخر، الآخر المختلف عنا. حيث يُوَجب علينا عدم البقاء داخل الصومعة، ورفض المحيط الخارجيّ المغايّر. بل التأقلم وكسب الغنى اللامتناهي، عبر دمج ثقافتنا بالآخر. يحدث في حياتنا أن نلتزّم باللّحية أو الحجاب، وجميع تعاليم الدين بحذافيره حتى نصل لحد التزهّد، وما هي إلا أشهر حتى نتعب، ونتراجع فنخلع كل مظاهره. نحن نمارس التطرّف المريب في معظم أيّامنا وخلال السّنة! فما أجمل الوسطيّة بعد تقلبات المزاج، والتعرض للمؤثرات الخارجية!

كما يحدث أيضاً أن نلتزم بحمية قاسية لأسابيع، ونعود فنصب نهمنا على الطّعام بشكلٍ كبير! ولكن ماذا لو قمنا من البداية بالاتزان في غذائنا دون حرمان أو إسراف؟ الأمثلة تكثر ولكن تبقى الوسطيّة، هي الحل الأمثل لنفوسنا وعقولنا. أما بالنسبة لشبابنا وأطفالنا الذين يعيشون في تقلبات، وعواصف ضارية من الصور اليوميّة، والعادات الغريبة، والبيئة سريعة التطور، لا بدّ من مرافقتهم في خطواتهم الحياتيّة، مناقشتهم ومصارحتهم في كيفيّة إحسان التصّرف.

فتبقى كل من المدرسة والأهل النموذج الذي يقتدى به، وعلينا أن نكون سبّاقين في تعليمهم الدين الإسلامي الحقيقي من المنزل وليس من الخارج، كما علينا تعليمهم التكنولوجيا وتوعيتهم بأخطارها. حيث تعد المراقبة هي العامل الأساسيّ، لكشف أي مؤشرات غير طبيعيّة تظهر على الشباب أو الطالب المدرسيّ. خلاصة القول، إن ممارسة الأنشطة الفنيّة والرياضيّة، وفتح أبواب الحوار، عامل صحيّ لتنمية نفسيّة واعية للطّفل، كونها تبني بيئة خصبة لمواجهة التطرف بجميع أشكاله البشعة. ولنبدأ بأنفسنا قبل أطفالنا لعلّنا نخلع ثوب التطرف النفسيّ، ونرتدي عباءة الاعتدال، الواقية من كلل أنواع الشر، في عالمٍ أصبح في تحوله يصل بنا إلى حد القلق والخوف.