اختفاء جمال خاشقجي.. لماذا داخل القنصلية السعودية في تركيا تحديدا؟

الثلاثاء 09 أكتوبر 2018 07:40 م بتوقيت القدس المحتلة

اختفاء جمال خاشقجي.. لماذا داخل القنصلية السعودية في تركيا تحديدا؟

بقلم أستاذ العلوم السياسية: د. محمد العمر

دخل السيد جمال خاشقجي إلى قنصلية بلاده في إسطنبول يوم الثلاثاء الماضي لاستخراج ورقة إدارية معينة، إلا أنه لم يخرج حتى الآن. وفي ظل المعلومات الحالية نبقى منطقيا أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما أن يكون جمال خاشقجي قد تم إخراجه من القنصلية السعودية بطريقة من الطرق بعيد دخوله إليها وترحيله إلى وجهة غير معلومة قد تكون إلى داخل الأراضي السعودية. أو أن يكون قد تمت تصفيته فعلا داخل مبنى السفارة.

وفي كلا السيناريوهين فالسلطات السعودية متورطة بشكل شبه مؤكد. مستندنا هنا هو ركاكة الرواية السعودية وخاصة رفض تزويد السلطات التركية بأي تسجيلات لكاميرات القنصلية والادعاء بأن هذه الكاميرات تصور ولا تسجل وهو ما يدل برأينا على إرادة إخفاء شيء ما. في كلا الحالتين فإن العديد من الأسئلة المحورية تبقى مفتوحة: هل الهدف ابتداء هو القتل أم الاختطاف؟ لماذا جمال خاشقجي؟ ولماذا في تركيا؟ ولماذا داخل القنصلية السعودية وليس خارجها؟

في الحقيقة، إن تمت بالفعل تصفية الرجل، فلا بد من التمييز بين فرضيتين: هل استهدفت السلطات السعودية خطفه ابتداء من أجل نقله إلى المملكة العربية السعودية ومن ثم تطورت الأحداث في اتجاهات غير متوقعة فتم اتخاذ القرار بتصفيته لتجنب الفضيحة. أم أن السلطات السعودية استهدفت تصفيته ابتداء؟ الإجابة على هذا السؤال مهمة للغاية لأنه باختلافها تختلف كل اتجاهات التحليل:

أولا: إذا كان الاختطاف والنقل إلى السعودية هو الهدف ابتداء فالغاية غالبا هي من جهة تأديب خاشقجي نفسه أو إخراسه فيما لو كان يمتلك معلومات حساسة معينة حصل عليها من خلال تاريخه الطويل في العمل مع دوائر صنع القرار السعودي، ومن جهة أخرى تخويف معارضي الخارج وإفهامهم أنهم ليسوا بمأمن من سلطات بلادهم.

مصلحة السعودية في رفع منسوب التوتر مع تركيا تبدو وكأنها تندرج في إطار الرضوخ لضغوط أطراف أخرى باتت معروفة ولها مصلحة في توسيع الشرخ بين البلدين المسلمين السنيين

في هذه الحالة، وحال وصول خاشقجي للسعودية، سيتم بالتأكيد توجيه العديد من التهم الجنائية له والحكم بسجنه لعشرات السنين أو حتى إعدامه تعزيرا، وهو ما سوف يفي بالغرض. ما يؤيد هذه الفرضية هو ما أوردته وكالات الأنباء السعودية عن خبر يفيد باسترداد أحد المطلوبين الجنائيين دون ذكر اسمه، فيما يمكن اعتباره تمهيدا لاستقبال الضيف. ومع ذلك لم تجر الرياح بما تشتهي سفن الرياض. فلسبب من الأسباب لم تنجح الخطة ولم يتمكن الفريق السعودي من إخراجه حيا وتهريبه إلى خارج تركيا، فتم اتخاذ القرار بتصفيته تجنبا للفضيحة ومن ثم إخراجه مقطعا.

وفقا لهذه الفرضية نستطيع الإجابة عن سؤال: لماذا جمال خاشقجي؟ فالاسم في هذه الحالة سيشكل نقطة مركزية في القرار السعودي بالاختطاف والذي تطور إلى تصفية محتملة. فجمال خاشقجي صحفي معروف عالميا ويكتب في جريدة الواشنطن بوست الشهيرة وله علاقات واسعة على المستوى السياسي والإعلامي، لذلك يبدو بأن الرياض أرادت من هذا المشروع أن توجه رسالة قوية لكل معارض لها بأنه مهما علت شهرتك ومهما بلغ مستوى علاقاتك على المستوى الدولي فإننا قادرون على أن نجلبك في أي لحظة.

ثانيا: أما إذا كان القتل هو المقصود ابتداء، فالموضوع أكبر بكثير من مجرد قتل صحفي لتخويف معارضي الخارج أو لتأديبه هو شخصيا لخروجه عن عباءة النظام السعودي، بل سيكون وراء الأكمة ما وراءها. وفي هذه الحالة فإن اسم جمال خاشقجي لن يكون في مرتبة الصدارة من حيث الأهمية في حيثيات القرار السعودي، بل إن هناك عوامل أخرى ستقفز إلى الصدارة وعلى رأسها مكان تنفيذ العملية، وهذا يقودنا إلى أسئلتنا الأخرى: لماذا في تركيا؟ ولماذا داخل القنصلية السعودية وليس في مكان آخر داخل أو خارج تركيا؟

في مثل هذه الفرضية فإننا نعتقد بأن استهداف العلاقات التركية السعودية من وراء عملية خاشقجي قد تشكل احتمالا واردا بقوة. لكن، السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي مصلحة السعودية من زيادة توتير العلاقات المتوترة أصلا مع تركيا؟ إن مصلحة السعودية من توتير علاقاتها بتركيا تشابه إلى حد كبير مصلحة الولايات المتحدة من نقل سفارتها للقدس. والجواب في كلا الحالتين أن لا مصلحة حقيقة للدولتين، وأن بيت القصيد في مثل هذه الحالات يكمن في حجم الضغوط الخفية التي تمارس على قيادتهما للقيام بتصرفات غير منطقية نظريا لتحقيق مآرب أخرى بعيدة عن أعين الإعلام.

لو كانت تصفية خاشقجي هي الهدف بحد ذاته لكان بالإمكان فعل ذلك في أي مكان وباستخدام مرتزقة يصعب إثبات علاقتهم بالسلطات السعودية

للأسف، إن التحليل القائم على المنطق والموضوعية لا يعود فعالا بدرجة كافية في مثل هذه الحالات نظرا لعدم عقلانية او منطقية أصحاب القرار. فإذا كانت مصلحة ترامب من نقل السفارة للقدس تتمثل في إرضاء إسرائيل من أجل ضمان استمرار دعمها ودعم الجماعات الموالية لها في واشنطن وبغض النظر عن أي أضرار كبيرة قد تلحق بمصالح الدولة الأمريكية، فإن مصلحة السعودية في رفع منسوب التوتر مع تركيا تبدو وكأنها تندرج في إطار الرضوخ لضغوط أطراف أخرى باتت معروفة ولها مصلحة في توسيع الشرخ بين البلدين المسلمين السنيين، حتى ولو كان هذا التوتر لا يمكن أن يصب لا من قريب ولا من بعيد في صالحهما كلاهما.

وإذا كانت تركيا تحاول حتى الآن استيعاب التصرفات السعودية وعدم المضي قدما في طريق محفوف بالمخاطر معها، إلا أن تأكيد قتل خاشقجي في قلب اسطنبول سيشكل طعنة لن تستطيع تركيا تمريرها لأنها باتت تتعلق بكرامة الدولة والشعب التركيين أمام العالم. مع العلم بأن الحذر التركي في التعامل مع هذه القضية يبدو واضحا للعيان. ومرد ذلك إلى أن تركيا لا ترغب البتة في أن تسوء علاقاتها مع السعودية لاعتبارات جيوسياسية معروفة، لذلك فإن أنقرة تتبع في علاقاتها مع الرياض أسلوب الصبر الاستراتيجي.

في إطار هذا الافتراض يمكننا الإجابة عن السؤال: لماذا تمت العلمية داخل السفارة السعودية وهل يبدو اختيار المكان متعمدا؟ فلو كانت تصفية خاشقجي هي الهدف بحد ذاته لكان بالإمكان فعل ذلك في أي مكان وباستخدام مرتزقة يصعب إثبات علاقتهم بالسلطات السعودية. إلا أن التصفية، إن تأكدت بالفعل، والتي تمت داخل القنصلية السعودية، في مكان يسهل معه إثبات تورط السلطات السعودية، فقد تكون إشارة إلى أن الرياض تود القول ضمنا للسلطات التركية بأننا نحن من فعل ذلك، فتحرجها وتستنفد صبرها وتدفعها بالتالي لاتخاذ خطوات تصعيدية قد تنذر بمعركة دبلوماسية وسياسية كبيرة بين البلدين، وهذا هو المطلوب تماما من أصحاب المصلحة الحقيقيين.