التطبيع بالصدمة وقت الأزمة

الأحد 04 نوفمبر 2018 01:35 م بتوقيت القدس المحتلة

قبل شهور، أقر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بأن العقبة أمام التطبيع وتوسيع العلاقات مع الدول العربية هو «الرأي العام العربي» وليس الرؤساء أو الزعماء العرب.

الحكومات حول العالم في عصرنا محكومة بالمصالح أكثر من أي شيء آخر، والنظر إليها على غير هذا الاعتبار هو تجاوز للواقع إلى الوهم؛ فمهما ظهر لنا من أفضلية واحدة منها على الأخرى إلا أنها في مجملها تخضع لجملة المصالح أكثر من القيم والمبادئ، ولا شك أن هذه نظرية نسبية تتفاوت من بيئة إلى أخرى.

لا يعني إقرارنا بأن الحكومات محكومة بالمصالح أن نقرها على أخطائها وتجاوزاتها، بل ينبغي علينا أن نمارس دور الرقيب على أفعالها ولو بالنصح أو النقد وما شابه؛ حتى لا تبالغ في تجاوزاتها.

ولا شك أن من جملة الخطايا والتجاوزات ما قامت به عواصم عربية خلال الأيام الماضية من مجاملات وتطبيع لبعض العلاقات مع الاحتلال الصهيوني.في حين كانت فيه قوات الاحتلال تقتل الفلسطينيين في غزة والضفة وتواصل المجازر والعدوان بالتوحش المعهود، وكان من بين الشهداء أطفالٌ ذبحت طفولتهم.

التطبيع يُعتبر مكافأة للاحتلال على جرائمه، وإقراراً له على باطله وعدوانه على الأرض والإنسان والمقدسات، لا ينبغي السكوت عنه ولا الرضا به، ولا التأقلم معه؛ لأن من مفاسده أيضاً أنه يجعل النفس تستمرئ الذل والظلم وتقبل به.

التطبيع كله -لا جله- مرفوض، وينبغي الحذر عند التعامل مع المصطلح؛ فليس كل مباحثات مع الاحتلال تُعتبر تطبيعاً، ومن ذلك ما تقوم به المقاومة عبر وسطاء من مساعٍ مثلاً لإنجاز صفقات لتحرير الأسرى وما شابه؛ فهذه تأتي في إطار الندية والضرورات الاعتيادية في أي صراع.

يبدو أن الاحتلال تعمّد أن يجعل تطبيعه متزامناً في ثلاث عواصم عربية؛ حتى يشتت الجهود الرافضة ويصدم الشعوب، خصوصاً وأنه استغل انشغال الدول بالأزمات البينية، واستخدم عصا الظروف ليمرر مشروعه التطبيعي.

وما كان للاحتلال أن يتسرب من بيننا لولا شقوق خلافاتنا، ويتحمل مَن صنع الأزمات بين شعوب المنطقة -ومنها الأزمة الخليجية- مسؤولية تجاه الأمر؛ فلو كانت البيئة صلبة وموحدة ما رأينا مثل هذا الحد من الضعف والتراجع.

الأزمة الخليجية الأخيرة انعكست على أخلاق الشعوب قبل الحكومات، وهذا الأمر ليس على إطلاقه؛ فالبعض غير القليل أثبت أصالة معدنه ونبل أخلاقه، إلا أن جزءاً آخر من هذه الأوطان -وللأسف الشديد- لم يُسمح إلا بخروج السيئ منه، وغُيّبت النخب الحقيقية ولم يتبقّ في الأجواء إلا ما قد عرفتم، وهو ما انعكس سلبًا على الحالة الرافضة للتطبيع فجل تلك النخب المغيبة معروفة بمواقفها الحاسمة في هذه القضية.

ينعكس كل ضعف في الأمة على القدس، ومن خلال واقعها على طول التاريخ نستطيع أن نعرف مستوى القوة والضعف، إلا أنه وعلى كل حال يبقى التطبيع مرفوضاً مكروهاً من كل شعوب الأمة.

في زمن اختلاط الحق بالباطل والحابل بالنابل، تبقى قضية القدس وفلسطين هي القضية الصافية العادلة التي لا تشوبها شائبة لوضوح الحق من الباطل فيها، ووجود خلل أو فشل لدى من يتصدرون المشهد فيها لا يؤثر على عدالتها وأحقيتها.

والحفاظ عليها من الضياع -غير أنه واجب أخلاقي وديني- يمثّل أهمية كبيرة أيضاً للبوصلة الأخلاقية لهذه الأمة.

نعيش أياماً صعبة بكل تأكيد. ربما القادم القريب أصعب؛ تتكاثر الهموم على الأمة، لكنها كما الغيوم، إذا ما تكاثفت اقترب هطول المطر.;