441 إزالة الصورة من الطباعة

افهم أولا قبل أن تثق بقراراتك!

بقلم المدون والصحفي: محمد مشمش

هما كفتا ميزان يحاول كل فريق ترجيح كفته على كفة الآخر، ومن خلال التتبع ستجد أنصار الفهم قبل الثقة هم المصلحون والمرشدون، أما أنصار الثقة قبل الفهم فهم القادة والساسة وربما الفراعنة. الإمام حسن البنا حين قدم الفهم على الثقة لم يكن تقديما عبثيا ولا عشوائيا ولا تقديما غير مبني على بعد نظر وسعة اطلاع. لكن المشكلة أن كثير من أتباعه وأنصاره –حسن البنا– يميلون ويدافعون عن فكرة الثقة قبل الفهم، لماذا؟

فيما يبدو لي لأن الثقة قبل الفهم مريحة لمن يروّج لها وهي فضفاضة تحمل في معانيها السلطة المطلقة والتفرد، ولكي أقرّب الصورة والمخاطر لفكرة "الثقة قبل الفهم" إليك هذا المثال: هب أن أحدهم أراد أن يستقرض من مخصصات صندوق الاستثمار الفلسطيني كما فعل عرفات حتى يوشك على استنفاذه، بالطبع هذا قرار خطير وله تبعات كثيرة لا عليك من القرار ولكن تعال لنوازن مهمة الفريقين.

الثقة قبل الفهم: سيتم الاستقراض من الصندوق حتى إفلاسه أو شبه إفلاسه وبالثقة المطلوبة منك قبل الفهم ستقول هناك حكمة ومبررات منطقية ورؤية مستقبلية وسنفهم لاحقا فان اكتشفت أن القرار جانبه الصواب فقد فات الأوان وسندخل في قضية اجتهد فأخطأ فله أجر، وحاولنا ولم يكن بالإمكان إلا ما كان فقد قدمت الثقة على الفهم وكان النقاش في إطار ضيق بدواعي أمنية أو سرية الخ. في الفهم قبل الثقة: سيتم عرض الأمر على نطاق واسع قبل تنفيذه وسيحاول كل شخص بل كل جهة فهم أبعاد هذا القرار ومسوغاته وارتداداته وقد يجمعون على رفض مثل هذا الطرح الذي يرغب به سيادته بشدة وبهذا فإنهم سيوقفون الأمر وهذه نتيجة مباشرة للفهم قبل الثقة.

ليكن دوما الفهم قبل الثقة، ولتكن الثقة نتيجة للفهم الصحيح، ولا تقبل بأي مبرر يجعلك تقدم الثقة قبل أن تحظى بالفهم

وبالعودة لتقديم الإمام البنا للفهم قبل الثقة ستجد أهمية هذا الأمر وأن لا وجاهة لمصادرة حق الفهم تحت أي ذريعة وأن فهم الإمام من طلق من فهمه لنصوص القرآن، ولعل القران الكريم في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ...)، ويقول عنها السلف بدأ بالعلم قبل العمل وبكل بساطة يمكننا من سياق الفهم لهذه الآية الاستدلال على أهمية الفهم قبل أي عمل وحتى قبل الثقة التي قد يبنى عليها تقبل أي عمل دون فهم.

وليس الأمر مقتصر على هذه الآية التي قد يعتبرها البعض إشارة فقط، فهنا لنتأمل قصة سيدنا موسى عليه السلام مع الخضر -العبد الصالح أو الملك المرسل سيان- فقد كان اللقاء وما سيجري فيه بأمر من الله أي أن معيار الثقة مطلق لدى سيدنا موسى على رشد معلمه ولكن مع ذلك لم يستطع سيدنا موسى تقديم الثقة على الفهم وكان في كل مرة يفعل فيها معلمه شرا ظاهرا لا يقبل التأويل يتدخل من أجل الفهم، وهذا تماما مربط الفرس في مشكلة تقديم الثقة على الفهم.

ولذلك فإن الأتباع الذين يرضون بتقديم الثقة على الفهم لن يلموا إلا أنفسهم أما نتائج أفعالهم فهم من سيتحملونها وحدهم وهذا ليس ابتداعا وإنما تعال لنتأمل قصة الأمير الذي طلب من جنده أن يقذفوا أنفسهم في النار، عن علي رضي الله عنه قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فاستعمل رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه فغضب، فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهموا، وجعل بعضهم يمسك بعضا، ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف)" صحيح البخاري.

كان يمكن له أن يحتج عليهم بقوله أليس عندكم ثقة فيما أفعل وقد أمّرني رسول الله، وكان لبعضهم أن يقول أين ثقتكم بأمير رسول الله لا حاجة لفهم أفعاله فهو ثقة لا يقبل الجرح، لكنهم اختاروا تقديم الفهم على الثقة فنجوا. أكثر من ذلك تعال بنا نتأمل قوله تعالى لنبيه: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).

الآن تخيل معي هذه الآية وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطبه ربه بأن المجال مفتوح أمامه ليسأل أهل الكتاب الذين يجدونه مكتوبا عندهم بأنه جاء بالحق وأنه على الحق ليكون على ثقة تامة بما أنزل عليه، فها هو الفهم هنا يأتي مقدما على الثقة ولا تكون الثقة إلا نتيجة للفهم الصحيح. لذا ليكن دوما الفهم قبل الثقة، ولتكن الثقة نتيجة للفهم الصحيح، ولا تقبل بأي مبرر يجعلك تقدم الثقة قبل أن تحظى بالفهم.