533 إزالة الصورة من الطباعة

حتى لا يموت القلم!

بقلم الصحفي والمدون: محمد مشمش

أريد أن أكتب لا لشيء فقط حتى لا يموت القلم أو قل كم أرغب كل يوم أن يموت القلم مذبوحا بسيف الكلمات الجارحة لكل معاني التقليد والإتباع الأعمى لتقاليد أكل الزمان عليها وشرب وتعاليم علماء سلاطين بانت سوأتهم. كم أرغب كل يوم أن يموت القلم مشنوقا بحبل الكلمات التي تعجز عن وصف حجم المعاناة التي نحياها كل يوم دون حول لنا أو قوة.

نعم أحب القلم فهو من علمني الكتابة لكنه يغدو سعيدا حين يموت مذبوحا أو مشنوقا ليبدع الكلمات التي تنقذ العقول التائهة والقلوب الحائرة، ولكن أسوأ موت هو أن يموت القلم فقط تحت وقع "براية" تقصر عمره كل يوم بلا فائدة. أريد أن أكتب فقط ليعود قلمي ذلك القلم المراهق الذي لا يعرف ما يقول ولا أين يتجه، فما يعرفه فقط أنه مطواع في يدي يلبي رغبتي برصف المعاني والكلمات لعله يبدأ معي حياة جديدة مختلفة.

نعم أريد أن أكتب لا لشيء فقط حتى لا يموت ما تبقى من قلمي، ذلك القلم الذي أحببته كما أحبني وبقيت وفيا له كما كان هو لي، وبقيَ يهمس بعشقه لي بين الفينة والأخرى من بين سطور خواطر متناثرة وأبيات شعر مراهقة

منذ زمن الصبا كانت تعتريني الحيرة حين أسمع أحدهم يقول: "مش عارف كيف أعبّر"، وكان مكمن حيرتي أنني كلما أمسكت قلمي عبر بفصاحة ودون تردد عن كل ما يجول في خاطري بل كأنه يسمع صوتي في رأسي وقبلي، في قصة عشق بيني وبين قلمي، يراودوني عن نفسي فأضمه وأحنو عليه، فنتراقص كعاشقين في سكرت الهوى، ويهمس قائلا لو أنهم يحبون أقلامهم لكتبوا ولأطاعتهم أقلامهم. أريد أن أكتب لأحيي هذا القلم الذي قتل بين جدران المدرسة، قتلته في مهده بدل أن تسقيه بماء الرعاية فينتج ربما إبداعا.. من يدري؟!

أريد أن أكتب لأعوض على نفسي حصص التعبير المدرسية التي كانت تذهب بين تهميش المدرسين ورعب الطلاب لفقر أقلامهم عن التعبير وما بينهما كان قلمي يموت نعم يموت موتا بطيئا. ما زلت أذكر يوما حين كنت في الثالث الإعدادي حين كانت حصة التعبير "عبر بقلمك عن قصة صديقين يفترقان ثم يجتمعان ثانية" فكتبت قصتي عنهما وقد اجتمعا أحدهما قاضي والآخر مجرم.

كم كنت سعيدا وقد جاوزت القصة أربع ورقات من صفحات دفتري البكر، فكنت أنتظر أن ترى النور أمام زملائي ولكنها حصة التعبير المرعبة التي تنتهي بلا نتائج، فماتت ومات جزء من القلم معها. لو كنت سأكتبها اليوم بعد جرعات أيمن العتوم وعلي الوردي وجودت سعيد وخالص جلبي لأضفت ثالثا لهما ولجعلته قاضيا فاسدا ليختصر حكاية القضاء الشامخ في عالمنا العربي بلا استثناء ولجعلت الثاني محاميا متدينا تدينا مغشوشا يتزلف القاضي الفاسد ليختصر حكاية الانفصام التي نحياها بين عبادتنا ومعاملاتنا ولجعلت الصديق الثالثة المجرم معتقلا سياسيا لا حول له ولا قوة ككل أصوات العقول التي اغتيلت في محابسها أو قل كأولئك التسعة الذين أعدموا وهم يصرحون "مش احنا" ولكن لا حياة لمن تنادي.

آآآه يا قلمي أتذُكر تلك القصة التي كتبناها في الأول الثانوي قبل أن نعرف أغاثا كريستي أو دان براون أو نجيب محفوظ أو غيوم مسو، نعم... نعم أقصد قصة "الأكشن" المراهقة عن آثار مصر ومافيا الآثار أظنك ما زلت تذكرها ولعلك تذكر أنها لم ترى النور كالعادة فماتت ومات معها جزء منك يا قلمي الحبيب، وطبعا لأن حصة التعبير إما الشبح المرعب أو الهامش غير المعتبر، فماتت حصة التعبير وبموتها كم ماتت أقلام وإبداعات.

نعم أريد أن أكتب لا لشيء فقط حتى لا يموت ما تبقى من قلمي، ذلك القلم الذي أحببته كما أحبني وبقيت وفيا له كما كان هو لي، وبقيَ يهمس بعشقه لي بين الفينة والأخرى من بين سطور خواطر متناثرة وأبيات شعر مراهقة. لعل قلمي لم يمت وظل يصارع الغرق في بحر التهميش حينا أو الخجل أحيانا أو عدم الرعاية أحيانا أخرى، ولكن كم ماتت أقلام ووئدت إبداعات فانتبهوا. إن كنتم لن تكتبوا أنتم فشجعوا أولادكم على الكتابة.. ها أنا الآن أكتب وسأبقى أكتب لا لشيء فقط حتى لا يموت قلمي، ولعل بقاء قلمي على قيد الحياة يبعث الروح في أقلام توشك أن تموت. ألا فاكتبوا واقرئوا...