إزالة الصورة من الطباعة

40 دقيقة لن ينساها نتنياهو!

كشف برنامج "ما خفي أعظم" في قناة الجزيرة عن واحدة من أكبر إخفاقات الجيش الإسرائيلي وأكثرها خيبة على مستوى تاريخ عملياته الأمنية في المنطقة العربية والعالم. تزامن نشر التحقيق مع حلول الذكرى السنوية الأولى لعملية "حد السيف"، وكشف عن تفاصيل عملية تسلل الوحدة الإسرائيلية الخاصة إلى قطاع غزة في نوفمبر الماضي 2018، وتضمن لأول مرة تسجيلات صوتية سرية لأفراد الوحدة، التي كانت تستهدف زرع منظومة تجسس لاختراق شبكة اتصالات المقاومة في غزة، في عملية أمنية استغرقت 40 دقيقة فقط قبل أن تنسحب القوة تحت رصاص مجاهدي كتائب القسام ويقظتهم، وعبر غطاء ناري من 3 أنواع لطائرات قتالية إسرائيلية تدخلت لإنقاذ الموقف، في حالة دفاعية غير معتادة لجيش اعتاد ألا يضع احتمالات للفشل.

لم يترك هذا الكشف المدوّي لإسرائيل فرصة التباهي بسجلها الطويل في الاغتيالات، خصوصاً أنه تم الكشف في نهاية الشهر الماضي عن مجموع اغتيالات إسرائيل خلال 71 عاماً، وبلغ 2700 عملية، بمعدل 38 عملية اغتيال سنوياً داخل الكيان وخارجه، وفق موقع "تايم أوف إسرائيل". حتى بلغت الانتكاسة قيام الرقابة العسكرية الإسرائيلية بحظر نشر تفاصيل التحقيق الجديد، فانقلب الفرح إلى مأتم. وهذا ما حصل حقيقة في اليوم التالي من نشر التحقيق، بإعلان وفاة مؤسس وحدة "سييرت متكال" أفراهام دار (94 عامًا)، وهو ضابط استخبارات سابق في الجيش، وأحد مؤسسي نظرية الاستخبارات الإسرائيلية.

عاش المواطن العربي ليلة نشر التحقيق أعلى لحظات الاندهاش لمستوى التحريات والنشاط الاستخباري المضاد الذي بلغته المقاومة الفلسطينية ومكّنها من إفشال أكبر محاولة اختراق لمنظومة اتصالات حركة حماس، بعد إذلال القوة الإسرائيلية، ومصادرة الأحراز العسكرية للقوة. يرتبط ذلك بإدراك راسخ بأن خطورة المعركة لا تقبل اعتزال العمل.

تضمن التحقيق مجموعة دلالات تعتبر نتاج هذا الفهم، وأهمها أن مغامرة الجيش الإسرائيلي بإرسال قوة خاصة من 16 ضابط للتسلل إلى القطاع في مهمة غير مسبوقة بهذا العدد، يؤشر إلى فقر معلومات لدى الاستخبارات الإسرائيلية حول عمل المقاومة الفلسطينية اضطرها للمخاطرة بذلك، كما أن إفشال المهمة بعد ساعتين فقط من التسلل، يؤشر إلى مستوى عالي من اليقظة لدى أفراد المقاومة.

وفي اليوم التالي لكشف عملية التسلل في العام الماضي، خاضت المقاومة مواجهة قاسية مع العدو كانت تؤسس من خلالها لقواعد اشتباك جديدة تضع حداً لأعمال "سيريت متكال" ضد غزة، ثم خاضت أعقد عملية تحريات انتهت بكشف أسماء وصور القوة ونشرها، وهو الجهد الذي تفوّقت به على أجهزة أمنية عربية متمرسة. وبعد عام يكشف تحقيق الجزيرة أن المقاومة لم تغلق هذا الملف، بل استفادت منه في اختراق عمل وحدة النخبة الإسرائيلية، وتفكيك مخططها وتتبع كل تحركاتها في الدخل المحتل، وكشف أدق تفاصيلها.

ما جرى أن المقاومة أرست لدى استخبارات العدو هاجساً اسمه "فخّ الماضي" أو الحماقة التي لا يجب تكرارها. حتى فرضت احتمالات الفشل على نظرية الاستخبارات الإسرائيلية، وأخرجت ملفات الاستقالة من أدراجها لثلاثة ضباط عملوا في الوحدة، وأبرزهم قائدها العقيد "منشيه ح" الذي خدم 26 سنة في الجيش، وتولّي قيادة الوحدة 3 سنوات، وهي المرة الأولى منذ 23 عامًا التي يقدم فيها ضابط بهذا المستوى في هذه الوحدة تحديدًا على الاستقالة من منصبه بنفسه، بدلًا من انتظار إكمال الفترة المحددة له في الخدمة العسكرية. بعد أن تسببت العملية من قبل في استقالة وزير الجيش أفيغدور ليبرمان، نتج عنها إسقاط الحكومة الإسرائيلية، والدعوة لانتخابات جديدة جرت في الربع الأول من العام الحالي 2019، ومرشحة للذهاب إلى انتخابات ثالثة.

أربعون دقيقة في تحقيق الجزيرة لابد أنها عززت الصدمة لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يمر بأعقد فترات حكمه السياسية؛ على ضوء فشله في تشكيل الحكومة واتهامه بقضايا فساد وخيانة الأمانة، وتسببت في تراجع شعبيته لدى الرأي العام الإسرائيلي، الذي ينسى إنجازات الزعامة على عتبات الفشل في غزة.