إزالة الصورة من الطباعة

هل صلوات الفجر في الأقصى ستكون "بروفا" لهبة جماهيرية قادمة؟

 

صلوات الفجر في الأقصى، التي تأتي في إطار التصدي لمشاريع الاحتلال المستهدفة السيطرة على القسم الشرقي من المسجد الأقصى، مصلى باب الرحمة ومقبرة باب الرحمة مرورًا بالقصور الأموية إلى حائط البراق، الذي غير الاحتلال اسمه أخيرًا إلى الحائط الغربي للمسجد الأقصى، ربما تكون "بروفا" جديدة لهبة شعبية مقدسية واسعة تذكر بهبة باب الأسباط التي اقتلعت البوابات الإلكترونية التي وضعها الاحتلال على بوابات الأقصى في 17/ تموز/ 2017م.

 الاحتلال جمعياته التلمودية والتوراتية وحاخاماته يستهدفون مصلى باب الرحمة، من أجل أن يكون لهم موطئ قدم في المسجد الأقصى.

الاحتلال ربما يريد من محاولة السيطرة على باب الرحمة أو منع إعادة فتحه وتحويله إلى مصلى، أن يحول الصراع من صراع وجودي وطني سياسي إلى صراع ديني، لكي يدول الصراع على الأقصى، وبذلك يجد له موطئ قدم فيه.

الأقصى له مكانته الدينية والروحانية والتاريخية والإنسانية والوطنية في قلوب كل العرب والمسلمين، والتعدي عليه لعب بالنار لحريق قد يشتعل ويمتد اشتعاله إلى المنطقة كاملة، تعنت الاحتلال وإصراره على استمرار إغلاق باب الرحمة قد يدفع بالأوضاع نحو الانفجار، فالحجج والذرائع التي يتحجج بها الاحتلال، لعملية إغلاق المكان منذ عام 2003م، أنه مركز للجنة التراث الإسلامي، تديره منظمة "إرهابية"، والمقصود هنا حركة حماس، تسقطها الوقائع على الأرض، فالمكان يفتح من أجل العبادة والصلاة، وحماس تدرك جيدًا أن أي تدخل في شؤون الأقصى سيتخذه الاحتلال حججًا وذرائع، لينفذ مشاريعه ومخططاته، ولذلك هي تحرص على أن يكون الأقصى مكان عبادة بعيدًا عن التوظيف السياسي، لاشك حماس وغيرها من المكونات والمركبات السياسية الفلسطينية الأخرى.

استهداف الأقصى في هذه المدة والمدة المقبلة سيتصاعد، خاصة أن الأحزاب الإسرائيلية المتصارعة على الحكم في الانتخابات المبكرة للمرة الثالثة خلال عام تريد أن تحقق مكاسب وأصواتًا انتخابية، ولاشك قضية الأقصى جزء من المزاد الانتخابي، والحصول على أصوات الجماعات التلمودية والتوراتية، يتطلب أن تقوم تلك الأحزاب الصهيونية اليمينية العلمانية المتطرفة أو اليمينية الدينية المتطرفة على اتخاذ قرارات وإجراءات من شأنها السعي إلى فرض أكبر قدر ممكن من السيطرة على المسجد الأقصى، فعلى سبيل المثال لا الحصر: وزير ما يسمى الأمن الداخلي الإسرائيلي "جلعاد أردان" قال أكثر من مرة: "إن الوقت الذي سيصلي فيه اليهود في "جبل الهيكل" (والمقصود هنا المسجد الأقصى) ليس بالبعيد"، وكذلك نتنياهو والعديد من الوزراء الصهاينة تحدثوا في هذا الاتجاه، ما يؤكد توظيف قضية الأقصى في المزاد الانتخابي.

في قضية الأقصى نحن نشهد تطورات غير مسبوقة: أنفاقًا حول وأسفل المسجد الأقصى والبلدة القديمة وسلوان، بلغ مجموعها 104 أنفاق، منها عشرة وحدها أسفل المسجد الأقصى، واقتحامات متصاعدة تجاوزت في عام 2019م أكثر من 27000 عملية اقتحام، واستهداف حراس وسدنة وموظفي المسجد الأقصى، إذ أبعد أكثر من 55 مقدسيًّا خلال العام الماضي عن الأقصى والبلدة القديمة من يوم حتى ستة أشهر أو أكثر، فضلًا عن منع المصلين والمرابطين من الوجود في باب الرحمة، وقمعهم والتنكيل بهم، والحفريات في مقبرة باب الأسباط مقبرتيها اليوسفية وباب الرحمة التي استولي على قسم منها، حيث سينصب 15 عامودًا ضخمًا بارتفاع 26 مترًا، سيحفر لها قواعد خرسانية ضخمة، قواعد لمحطة القطار الطائر (تلفريك) الذي سيلتف حول المسجد الأقصى ويشوه معالمه التاريخية والدينية.

الاحتلال ماض في مشاريعه ومخططاته، ويرسم إستراتيجياته التي يريد الوصول إليها في القدس والمسجد الأقصى، وهو يستغل سياسيًّا بامتياز القرار الأمريكي نقل السفارة الأمريكية من (تل أبيب) إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لدولة الاحتلال، ويحول إدارة الأوقاف وإشرافها الإداري على المسجد الأقصى إلى إدارة شكلية، ويفرغ الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية -وفي مقدمتها المسجد الأقصى- من مضمونها، فهو يعد كل الظروف الفلسطينية والعربية والدولية مواتية له من أجل تنفيذ برامجه ومخططاته في القدس والأقصى.

الرهان الأساسي في إفشال مخططات ومشاريع الاحتلال بحق الأقصى يعتمد على الحلقة المقدسية، التي تبدو حتى اللحظة صلبة ومتماسكة، وخبرها الاحتلال جيدًا في أكثر من معركة، معركة البوابات الإلكترونية في تموز/ 2017م، إذ انتصر المقدسيون بسجاجيد صلواتهم المقاومة، وصمودهم ورباطهم وثباتهم على بوابات الأقصى وشوارع وساحات القدس، وأجبروا الاحتلال على إزالة تلك البوابات.

معركة باب الرحمة تبدو ككرة الثلج تتدحرج وتتطور، وبقدر ما سيلجأ الاحتلال إلى التصعيد ومحاولة فرض الأمر الواقع، إنها ستأخذ زخمها والتفافها الشعبي والجماهيري.

الاحتلال عليه أن يراجع حساباته، فقضية الأقصى من القضايا التي يتوقف عليها مصير المنطقة، فهي ليس لها بعد ديني وتاريخي وحضاري وإنساني فقط، بل لها أيضًا بعد وطني سياسي بامتياز.