thumbs_b_c_2918f9d9758743991b9a57af11b63bcb إزالة الصورة من الطباعة

فتوى ترمب العجيبة.. دولةٌ بلا حدود ولا جنود ولا وجود!

بقلم المدون المغربي: عادل أعياشي

إن المرحلة التي آلت إليها القضية الفلسطينية أخطر من كل ما سبقها من مراحل، إذ كلنا يتابع المؤامرة المسماة بصفقة القرن وهي تأتي على كل شيء تفوح منه رائحة فلسطين، فقد أريد لهذه القضية أن تُقبر بيد الأقرباء قبل الغرباء، ولا يفصلنا عن تنفيذها إلا إجراءات بسيطة، بعدما رحبت أغلب الدول العربية ببنودها، ولسنا هنا في معرض تفصيل هذه البنود، بل يكفي القول أن أحدها فقط يقضي بالاعتراف الصريح بأن القدس هي العاصمة الأبدية للكيان الإسرائيلي، كأمرٍ واقع لا يقبل النقاش ولا التفاوض، ولا وجود لعاصمة فلسطينية تسمى بالقدس الشرقية.

وهذا يعني أن الوجود الفلسطيني والعربي في القدس الشريف قد انتهى أو بالأحرى قد صُفّي تماما، وإنه لتاريخٌ يُدمي القلب، كُتب لنا أن نعايشه ونشهد على تنفيذه، فلو حصل هذا في عهد غير عهدنا لثارت الأرض عن بكرة أبيها، ولأُعلن النفير، ولنُكّست الأعلام وطغى السواد وعمّ الحزن كل أرجاء المعمورة، ولكنه أمر حاصل، وواقع مرّ، فُرض علينا بما لا مناص من الهروب منه أو تفاديه، وهذا الواقع كما هو معلوم تتحكم فيه أمريكا، زعيمة هذا العالم، وقائدته نحو مرافئ السلام والاستقرار كما صرح السديّس من قبل، ولكن ليس هذا هو الإشكال في حد ذاته، وإنما الإشكال الأكبر هو أن هذا التحكم، وهذا الذل، وهذا الهوان، يقابَل بمباركة عربية صرفة لصفقة القرن بكل بنودها وشروطها.

إن هذه الصفقة، إن كُتب لا قدر الله أن تُفعّل على أرض الواقع، فستكون بمثابة رصاصة النهاية التي ستقضي على كل مستقبل عربي في البقاء، لأنها ستُتبع بصفقات أشد وأمرّ ستأتي على الوجود العربي في المنطقة برمّته

بدأت بوادر هذه الصفقة المشؤومة أو لنقل المؤامرة، لأن اسم الصفقة في حد ذاته يدل بشكل بيّن على عملية بيع وشراء في وضح النهار، بدأت منذ 30 يونيو 2013، اليوم الذي صعد فيه العسكر سدّة الحكم في مصر، واستبشر حينها الساسة الإسرائيليون الذين لم يتوقعوا أن تنجح خطتهم بهذه السرعة، وبات من الواضح يومها أن الحكم العسكري إنما خُطط له من الخارج لحاجة في نفس يعقوب، ولم تكن هذه الحاجة الملحة سوى التمهيد لمؤامرة تأتي على الحق الفلسطيني عن آخره، وتنهي هذا الصراع الذي تكرهه إسرائيل وتبعضه أمريكا.

وتم التشهير للصفقة، بكل الوسائل، على أنها تحفظ حق الشعب الفلسطيني في الحصول على دولة، دون أن يكملوا ما تبقى من العبارة، لأن العبارة تقول أن ما يسمى بالدولة الفلسطينية حسب فتوى ترمب الغريبة ستكون بلا جنود ولا حدود وبالتالي بلا وجود أصلا، ستقوم على بعض البقع الأرضية المنتشرة هنا وهناك، محاطة بقبضة عسكرية خانقة، وستُجعل عاصمتها بلدة صغيرة تحيطها المستوطنات من كل جهة، وسيُمنع عليها إقامة أية اتفاقيات أو شراكات أو التمتع بأية سيادة أو إرادة، هذه هي الدولة التي استقبلها الساسة العرب بصدر رحب، ناهيك عن العديد من الشروط الأخرى يستحي المرء من ذكرها، لكن أكبرها وأفدحها كما ورد، التنازل عن القدس الشريف مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم للإسرائيليين، وهل هناك أفظع من هذا التنازل.

هكذا أريد للقضية الفلسطينية أن تنتهي من الوجود، وأن تباع دماء أبنائها التي إن فاضت على البحر لاحمّر ماؤه وتألم موجه، وكأن فلسطين لم تكن، وأشجار زيتونها لم تُزيّن سهولها ومزارعها في يوم من الأيام، وكأن الأرواح في سبيلها لم تكن تُشيَّع يوما بعد يوم إلى قبورها بأصوات الزغاريد ودموع الثكالى، وكأن القضية لم ينطق باسمها الرضيع في مهده، ولم تُذرف دموع الصغار في كل مكان وهم يرون أصدقاءهم يُحملون على الأكتاف والدماء تقطر من أنوفهم ورؤوسهم، وسيل جارف من معاناة أليمة لعقود طويلة تعجز كل اللغات على وصفها وتوصيفها، ليبيع الساسة العرب كل هذا الألم بثمن بخس، وهم يبتسمون لترمب ويرتعدون منه في الوقت نفسه، بل ويُبدون التعاون اللامشروط لتنزيل هذه الصفقة وطرد الفلسطينيين من أرضهم الأصلية.

إن هذه الصفقة، إن كُتب لا قدر الله أن تُفعّل على أرض الواقع، فستكون بمثابة رصاصة النهاية التي ستقضي على كل مستقبل عربي في البقاء، لأنها ستُتبع بصفقات أشد وأمرّ ستأتي على الوجود العربي في المنطقة برمّته. ورغم كل هذا التآمر، وهذا الخضوع، لا خوف على الفلسطينيين، لأن الأشاوس يولدون ويتكاثرون من رحم البسالة والمروءة كلما توهّم العدو أنه قضى عليهم وأنهى وجودهم، فهم شوكة موجعة في حلقه تُوقد مضجعه وتنكّد عليه عيشه إلى الأبد، الخوف كل الخوف على الذين لم يتعودوا بعد الدفاع عن شرفهم، ليوكلوا هذه المهمة للأعداء المحتلين، مقابل النفط ومنح إجبارية سخيّة تقدر بالمليارات.