إزالة الصورة من الطباعة

كيف وصلت المعركة إلى مخصصات الأسرى؟

منذ أن أدرجت الإدارة الأمريكية قضية مخصصات الأسرى الفلسطينيين ضمن جدول الأعمال المحظور على السلطة الاستمرار بها، كان متوقعاً أن تصل الأمور تدريجياً إلى مرحلة كسر العظم، وأن يتخذ الاحتلال الصهيوني قراراً جائراً وجازماً يحظر على البنوك الفلسطينية التعامل مع حسابات الأسرى، ويلزمها بإغلاقها، بل وأن تصبح تلك المخصصات مصنفة ضمن أموال (تمويل الإرهاب) وهو ما سيعني أن الاحتلال يمكن أن يصادرها ممن تصل لهم، وكان قد فعل ذلك على كل حال حين اقتطع مطلع العام الماضي من عائدات الضرائب المحولة للسلطة نحو 150 مليون دولار بدل المخصصات التي تدفعها السلطة لذوي الأسرى.

عملياً تبدو مثل هذه التحديات المستمرة إفرازاً طبيعياً لاتفاق أوسلو، الذي ظلت تطبيقاته تتفاعل حتى وصلنا إلى هذا الحال، وحتى صار مطلوباً تجريد السلطة الفلسطينية من أي دور أو ملمح وطني لها، وتحويلها إلى مجرد حاكم يدير أوضاع الفلسطينيين المعيشية، ومطلوب منه أن يشارك الكيان الصهيوني سياساته المتعلقة بمحاربة (الإرهاب)، أي ملاحقة المقاومة بجميع أشكالها وتجلياتها.

صحيح ما يقال إن البنوك الفلسطينية بلا حول ولا قوة في هذه المسألة، كونها تتعامل مع البنوك العالمية عبر البوابة الإسرائيلية، وهو أيضاً من نتائج اتفاق أوسلو، وإن السلطة نفسها لن تملك تحدي هذا القرار، ولن توشك أن تبحث عن حلول أخرى تجنبها صرف هذه المخصصات عبر البنوك الفلسطينية، لكنّ كل هذا لا يعفي السلطة من مسؤولياتها، ولا يسوّغ لها أن تسمح بأن يُمسخ دورها على هذا النحو، لمجرد الحفاظ على بقائها.

ربما من المفيد أن نتذكر هنا أن السلطة قبلت ابتداءً أن تكون منافذ اقتصادها بيد المحتل الإسرائيلي، وبيد المانحين الدوليين، وهؤلاء لم يكتفوا بأدوار السلطة السابقة في محاربة المقاومة الفلسطينية، بل وجدوا أن عليها أن تتجرد بالكامل من أي صبغة وطنية نظير استمرار دعمها.

كان تساوق السلطة مع هذه السياسات الإسرائيلية والأمريكية سهلاً ويمكن تبريره (بالنسبة لها) حين كان عنوان المعركة الحرب على التنظيمات الإسلامية أي حماس والجهاد الإسلامي، فالسلطة لم تكتف باعتقال أفراد التنظيمين وإغلاق المؤسسات التابعة لهما وحظر نشاطاتهما، بل سطت أيضاً على مستحقات الأسرى والشهداء التي كانت الحركتان مصدرها، وما تزال أموال التنظيمين محظورة وملاحقة وعرضة للمصادرة من أجهزة السلطة حتى لو وصلت فقيراً أو عائلة شهيد أو أسير، وهو دور مارسه الاحتلال أيضاً بشكل تكاملي مع السلطة.

لم يكن منتظراً من السلطة أن تدرك من وقت مبكر خطورة أن تكون هي يداً ضاربة لشعبها، وإلى أي مدى يمكن لهذا المسلك أن يجرّئ الاحتلال على التمادي في مطالبتها وإلزامها بسياسات أكثر تطرفاً تجاه شعبها، لكنها اليوم مطالبة بأن ترى جيداً كيف أنها هي من ساهمت في تحويل المناضلين والمقاومين وذويهم إلى فئة معزولة داخل المجتمع، يجتهد الاحتلال –مستعيناً بسياسات السلطة- في إفقارهم وإذلالهم وتصعيب حياتهم.

سياسات الاحتلال لا تجابه بغير التحدي، والتحدي مطلوب من السلطة قبل أن يكون مطلوباً من البنوك، مثلما أن الإدانة ينبغي أن توجه للمتسبب بهذا الواقع قبل توجيهها للأطراف الضعيفة في هذه المعادلة وصب الغضب عليها، وحين يلمس الفلسطيني استعداداً صادقاً لدى السلطة للتحدي فسيكون إلى جانبها بمختلف قطاعاته، لكن هذا يلزمه التحلل من كل السياسات التي خدمت الاحتلال وتساوقت مع إملاءاته، وأجهضت نضال الفلسطيني وعطلت مسيرته.