إزالة الصورة من الطباعة

هل تريد السلطة استنهاض الجماهير لمواجهة تحدّي الضم؟!

يُذكّر عديدون السلطة الفلسطينية، والكيانات المتصلة بها، كمنظمة التحرير وحركة فتح، بسياساتها التي أفقدتها فاعلية الجماهير؛ حينما احتاجت الجماهير. هذا التذكير يستدعي مراجعتين، الأولى تستعرض تلك السياسات التي أفقدت الجماهير حيويتها وفاعليتها، والثانية تتساءل إن كانت السلطة بالفعل معنية باستنهاض الجماهير، وتبقى أخيرا مراجعة تبحث في إمكانية استنهاض الجماهير.

احتاجت السلطة في مبتدأ تأسيسها إلى تكريس نموذجها "الدولاتي" المصغّر في أراضيها، بمنع كلّ ما من شأنه أن يفشل مشروعها المشروط، وفق الاتفاقيات التي أسستها، بجملة التزامات تجاه الاحتلال، وهو الأمر الذي يحتاج بالضرورة إلى تحييد الجماهير، وإنهاء، أو تحجيم، أشكال المعارضة التي كان من شأنها أن توقع السلطة في حرج بالغ، بسبب الطبيعة المسلّحة لحركات المعارضة، التي هي نفسها حركات المقاومة الإسلامية، هذا فضلاً عن تاريخ من المنافسة، وسوء الظنّ المتبادل، بين حركتي فتح وحماس على وجه الخصوص.

ما تبقى من روح الثورة في شرايين حركة فتح، وقطاعات من السلطة، ومع روح المغامرة التي سكنت الرئيس الراحل ياسر عرفات، وكون السلطة برّرت وجودها بدعاوى وطنية تعد فيها بالتحوّل إلى دولة، وعند أوّل اختبار جدّيّ أكّد استحالة هذا التحوّل، أمكن الاستنهاض السريع للجماهير، لا سيما وأن العهد لم يكن قد بَعُد كثيرا عن الجيل الأول المؤسس للسلطة والمنحدر من الثورة والانتفاضة، فالتقى الجميع على أرضية تلك الانتفاضة، وتنافست القوى الفلسطينية في إطار المقاومة، لا في إطار السلطة، وهذا بغضّ النظر عن كلّ ما يمكن قوله في مسارات الانتفاضة ومآلاتها.

اختلف الأمر فيما بعد، فقد صارت السلطة أكثر تجذّرا، وتحوّل التنافس إلى صراع على السلطة، وإن كان يتّصل باختلاف برامجيّ عميق بين القوى الأساسية في الساحة الفلسطينية. ثمّ إنّ هذا النموذج "الدولاتي" المصغّر، انطوى على تناقضين جوهريين، فهو من جهة مشروع لحركة وطنية، ومن جهة أخرى يتطلب قمع الحركة الوطنية، ويستدعي في ذلك النماذج السلطوية العربية، مع وجود نخبة تصرّح برفضها لأي نمط من أنماط المقاومة المسلّحة، وتعتمد بالكليّة على ذات المسارات التي ثبت فشلها، ويمكن تلخيصها بالمفاوضات والدبلوماسية الدولية، فتولّدت عن ذلك طبقة حاكمة، تدرك تماما استحالة التحوّل إلى دولة معقولة، ولكنها في الوقت نفسه ترى أنّ مشروعها انحصر في الحفاظ على السلطة على ما هي عليه، فصارت السلطة هدفا لها، تستمد منه الممكنات السلطوية والاقتصادية، فدفعت نحو سياسات تحييد الجماهير إلى أقصى مدى، لأنّ استنهاض الجماهير من شأنّه أن يهدد السلطة بما هي سلطة، وغطّت هذه السياسات لفترة طويلة بالانقسام الفلسطيني.

كُرّست في هذا الإطار حركة فتح، حزبا للسلطة، وهُذّبت الحركة بما يلغي التنوع الذي فيها ويجعلها أكثر طواعية للطبقة الحاكمة، وأُمِّمَ المجال العام تماما، وأُضعفت الحركة الطلابية، وفُكّكت بنى فصائل المقاومة، وحُجّمت الحركة الوطنية إلى درجة تقارب الإنهاء، وصودرت منابر التعبئة والثقافة الوطنية، وفُرضت أجندة جديدة تعيد خلط أولويات الشعب الفلسطيني، وُبثّت ثقافة استهلاكية مُعولَمة، ورُبطت الجماهير بالبنوك، ورُهنت بالقروض. وأَفقدها صراع السلطة الثقة بفرقاء الحركة الوطنية، كما أنها فقدت الثقة بالطبقة الحاكمة نفسها، التي تراها الجماهير أكبر المستفيدين من تضحياتها دون أن يصبّ ذلك في مسار نضاليّ لصالح القضيّة الفلسطينية بعمومها. واستُخدمت في هذا الإطار أدوات متنوعة متضافرة في مجالات الاجتماع والثقافة والاقتصاد والأمن والسياسة، وبهذا أمكن تحييد الجماهير، لصالح اختصار القضية الفلسطينية في الطبقة التفاوضية.

بالرغم من كلّ ذلك، أثبتت الأحداث إمكان استنهاض الجماهير، فمجرّد الحرب التي شُنّت على قطاع غزّة في العام 2014، وفّر تعبئة وطنية للأجيال الجديدة في الضفّة، والتي لم تدرك الانتفاضة الثانية ولا تشعر بالاستنزاف، ولا تعاني حسابات الأجيال الأقدم سنّا. ومع التهديد المستمرّ للمسجد الأقصى، والوجود الاستيطاني المستفزّ، توالت الهبّات في الضفّة الغربية، دون أن تتحوّل إلى ظاهرة كفاحية واسعة وشاملة، لجملة أسباب، منها عدم تعافي الحركة الوطنية وفصائل المقاومة، واستمرار سياسات السلطة في النهج نفسه بلا تغيير، مما أدّى إلى احتواء تلك الهبّات وإنهائها، وذلك مؤشّر على إمكانية استنهاض الجماهير، بالرغم من كل ممارسات هندسة الوعي وأنماط الحياة التي فُرضت عليها طوال السنوات الماضية، وذلك لو حصّل تغيّر جدّي في مسارات السلطة، أو فَرضت بعض الأحداث نفسها على الساحة.

الآن، ومع إعلان الاحتلال نيّته الترسيم القانوني تحت عنوان "الضم" لوقائعه التي كرّسها خلال السنوات الماضيّة، يُفترض أن تكون السلطة الفلسطينية محتاجة إلى الجماهير لتواجه بها مخطّطات الضمّ، وهذه هي لحظة الاختبار الجدّي لدعاية المقاومة الشعبية، التي طالما رفعتها الطبقة الحاكمة في الضفّة عبر حركة فتح ومؤسسات منظمة التحرير، لكن هل ترى هذه الطبقة الأمر على هذا النحو؟

لا يبدو الأمر كذلك بالنظر إلى التاريخ القريب جدّا، وبالنظر إلى الواقع والممارسة، فمنذ إعلان قيادة السلطة الانسحاب من الاتفاقات الموقّعة مع الاحتلال، لم تخرج فعالية واحدة مؤثّرة تقودها حركة فتح التي يفترض أنها الحركة الوطنية المؤسّسة لمشروع السلطة، وتملك ممكنات التحرّك في الضفّة الغربيّة، ولو في حدود المقاومة الشعبيّة. ولم تصارح قيادة السلطة الجماهير بخطواتها القادمة، بالرغم من أنّها حمّلت الجماهير عبئا اقتصاديّا ضخما بعجزها عن دفع فاتورة الرواتب، بعد أن لم تعد قادرة على تحصيل الأموال الضريبية التي كان يجنيها لها الاحتلال من حركة التجارة الفلسطينية الخارجية، فكيف لو رجعنا إلى الوراء قليلا مع سلسلة قرارات الإدارة الأمريكية حول القدس ومستوطنات الضفّة، ثمّ الإعلان عن خطة ترامب التي لا تعني إلا تصفية الوجود السياسي الفلسطيني؟

أمّا الإدارة والممارسة، فلا تشجّع الجماهير على المسارعة إلى تقديم التضحيات، وهي ترى أن السلطة صارت مكسبا محتكرا لطبقة معيّنة، كما يتضح في القوانين المستجدّة والتعيينات والترقيات، دون مراعاة للتحدّي السياسي الخطير، ولا لتراجع ممكنات الإدارة والتسيير لدى السلطة لا سيما في دفع الرواتب.

إنّ الفكرة البديهيّة التي يُذكّر بها هؤلاء العديدون السلطة، عن سياساتها التي أضعفت روح المبادرة عند الجماهير، لا تغيب عن الطبقة الحاكمة للسلطة، لكنّ هذه الطبقة ما تزال ترى أنّ أولوياتها الحفاظ على مشروع السلطة كما هو، وأن استنهاض الجماهير، واستئناف التعبئة الوطنية، من شأنه أن يمس بوجود السلطة من حيث هي سلطة.