الكاتب عبد الرحمن يونس

انتخابات بيرزيت ونظرات الراحل "عريقات"

لا تزال نظرات التوتر التي أبداها الراحل صائب عريقات أمين سر منظمة التحرير في أثناء لقائه صحفيين أوروبيين بعد فوز الكتلة الإسلامية بانتخابات جامعة بيرزيت عام 2015 ماثلة للعيان، إذ قال حينها "لقد فقدنا الكثير، لا أستطيع أن أعطي سببًا بسيطًا لذلك، ولكن هذا مزاج الفلسطينيين"، في دليل كبير على أن انتخابات الجامعة الأعرق في فلسطين هي مقياس صادق وحقيقي للمزاج العام.

كان ذلك التصريح والنتائج بين كتلة الوفاء التابعة لحماس وكتلة ياسر عرفات التابعة لفتح كانت قريبة جدا مع تقدم بسيط لأتباع الكتلة الإسلامية على الرغم من التضييقات التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة السلطة على حد سواء، ولو قدر له البقاء ليرى اليوم الاكتساح الذي فرضه أتباع نهج المقاومة لكان لسان حاله يقول: للأسف لقد كفر الفلسطينيون بفتح وبالسلطة وبكل ما انبثق عنها.

ولكن لماذا اتجه المزاج العام الفلسطيني بهذه القوة لخيار حركة حماس وعاقب فتح هذا العقاب الذي لم تتوقعه؟

بداية من الممكن القول إن هذه الانتخابات وإن كانت تمثّل طلابًا أحداثًا في السن إلا أنها تعد استطلاع رأي مصغر لانتخابات عامة في الأراضي الفلسطينية على اعتبار أن 13 ألفًا من الذين خاضوا غمارها يعدون شريحة لا بأس بها من المجتمع الفلسطيني.

هؤلاء الشباب عايشوا في العام الماضي سقوطًا أخلاقيًا مدويًا للسلطة الفلسطينية وحركة فتح ليس بداية من قمع المسيرات المؤيدة لغزة أثناء العدوان الإسرائيلي العام الماضي ومرورًا باغتيال نزار بنات وفضائح سرقة جوالات الفتيات وانتهاك حرماتهن وخصوصياتهن والاعتقال السياسي، وليس انتهاء بالتنسيق الأمني وملاحقة الرايات وأعراس استقبال المحررين من سجون الاحتلال.

كل ذلك وغيرها من السياسات جعل هؤلاء الطلاب وخلفهم شريحة كبيرة من المجتمع يكفرون بنهج فتح وسلطة أوسلو وعاقبوهم في صناديق الاقتراع.

إن تصويت أكثر  من نصف الطلاب للكتلة الإسلامية التابعة لحركة حماس هو تعبير عن الإيمان الكبير بنهج الحركة القائم على مقاومة الاحتلال خاصة بعد معركة سيف القدس المباركة، وعدم الرضى بالعيش تحت بساطير الاحتلال، وليس أدل على ذلك سوى الهتافات التي أطلقها الفائزون والتي تمجد قادة المقاومة.

ثم إن اعتقال الاحتلال لعناصر الكتلة قبيل الانتخابات وتهديد الطلاب بعدم انتخابها، قد أعطاها شرعية وطنية كبيرة ومنحها أصواتا فوق الأصوات التي نالوها، في إشارة إلى أن المزاج الفلسطيني العام يميل تلقائيا نحو من يقاتل الاحتلال، وتطبيقا للمثل القائل أينما تتجه سهام عدوك تجد الحق.

غير أنه بات لدى الكثير اعتقاد بأن جزءا ليس بالقليل من الأصوات التي جمعتها كتلة فتح في الانتخابات، جاء بالتخويف والرشاوى والوعودات بالتوظيف، وبعض الوسائل غير القانونية، خاصة في ظل إجراءات القمع التي تمارسها السلطة وبعض عناصر فتح.

وفي نهاية المطاف فإن نجاح هذه الانتخابات يعد عرسًا ديمقراطيًا، ونتائجها أعطت مؤشرًا واضحا للاتجاه العام والحال التي ستؤول إليها الأوضاع في الضفة الغربية إذا رُفعت القيود الإسرائيلية والسلطوية عن رقاب الفلسطينيين هناك، وهذا ينبئ بأن ملف الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني قد ذهب إلى غير رجعة في ظل عهد محمود عباس.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة