هلال نصار

خليفة رئيس السلطة دستورياً

إن القانون الأساسي الفلسطيني (الناظم الدستوري للسلطة ومؤسساتها) تنبأ لحالة شغور رئاسة السلطة بنص المادة (37/2) "تنظم حالة شغور رئاسة السلطة بسبب الوفاة أو الاستقالة أو فقد الأهلية القانونية بتولي رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني مهام رئاسة السلطة الوطنية مؤقتاً لمـدة لا تزيد عن ستين يوماً تجرى خلالها انتخابات لانتخاب رئيس جديد"، وربما لم يوضح القانون الأساسي تنبأه بتشكيل المحكمة الدستورية وحل المجلس التشريعي في ظل الأزمة السياسية نتيجة تفرد القرار واختلاط النظام، وذلك على خلاف دساتير العديد من الدول التي تحتاط بوضع بديل ثانٍ، كإسنادها مؤقتا لرئيس الوزراء أو رئيس المحكمة الدستورية، كذلك فإن القانون الأساسي لم ينص على أحكام خاصة بانتخاب أو تعيين نائب لرئيس السلطة، وإن عدم الاحتكام للقانون أو عدم وجود توافق وطني ينظم أزمة شغور منصب الرئيس قد يؤدي إلى صراع على السلطة وهذا لا يقتصر على حركتا فتح وحماس، وإنما قد يمتد ليشمل كل المكونات السياسية خاصة في حالة الاستقطاب الشديدة بين الحركتين، بل إن الصراع قد يكون أكثر شدة داخل حركة فتح ذاتها، التي كما نعرف كانت ستُمثل بثلاث قوائم انتخابية في الانتخابات التشريعية التي كانت ستجرى في أيار الماضي قبل قيام عباس بالغائها من طرف واحد (دون توافق وطني)، كما أن لتفادي المخاطر التي ستنتج عن شغور منصب الرئيس في الظروف الراهنة والتي قد تكون مدمرة على القضية الوطنية، فلا بديل عن تحديد موعد لاجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة، والاتفاق على نظام انتخابي جديد كما كان في انتخابات 1996، كذلك يجب إعادة تفعيل المجلس التشريعي لتفادي سيناريو شغور منصب الرئيس قبل إجراء الانتخابات، وهنا لابد من الإشارة إلى أن تنازلات حركة حماس في سبيل تذليل عقبات إجراء الانتخابات الملغاة، تؤهلها لإبداء مرونة للتوافق مع حركة فتح على انتخاب رئيس جديد للمجلس التشريعي من خارج الحركتين في أول جلسة تعقد للمجلس التشريعي بعد إعادة تفعيله.

من يخلف الرئيس عباس في رئاسة السلطة الفلسطينية؟؟ يعد التساؤل الأكثر تداولاً على أجندة صانعي القرار الفلسطيني والصهيوني والإقليمي والدولي في الوقت الراهن، فالعالم يراقب المشهد في كل مرة يُثار فيها الحديث عن تدهور صحة عباس، وهل الرئيس القادم سوف يستطع الجمع بين المناصب والمؤسسات التي ترأسها عباس؟ باعتباره زعيم لحركة فتح ورئيس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية معاً؟ حتى الآن لا استعدادات حقيقية لدى الفصائل والقوى الفلسطينية لمرحلة ما بعد عباس، باستثناء المتنفذين بحركة فتح وقيادة السلطة، هؤلاء الذين يجرؤون على تقسيم كيكة السلطة ولكنهم سرعان ما يصلون إلى الصراع الداخلي بينهم من أجل السيطرة على القرار وتنفيذ الاتفاقيات التي تخدم الاحتلال الصهيوني على نهج مهندس أوسلو محمود عباس.

أما حركة حماس، الفصيل الأكثر منافسة لحركة فتح على الزعامة في مرحلة ما بعد الرئيس عباس، فهي مجرد متابع للأحداث وتستعد لطرح رئيس المجلس التشريعي في منصب الرئيس المؤقت وفق القانون الأساسي لحين إجراء الانتخابات التي ربما تطول، نتيجة الصراع السياسي، ولكن ليس لدي الحركة سيناريوهات حقيقة لإحداث اختراق في الحالة الفلسطينية أثر غياب عباس عن المشهد، رغم أن ضعف فتح وتصاعد الخلافات داخلها سيساعد حماس لتقوية نفوذها ومكانتها في الضفة الغربية، إلى جانب سيطرتها الحالية على قطاع غزة.

فيما يدور القلق الصهيوني من مرحلة ما بعد عباس وبدأ واضحاً وجلياً فقد قال وزير شؤون القدس وحماية البيئة الإسرائيلي "زئيف ألكين" أنه يجب أن نستعد لمرحلة ما بعد عباس، ونقل عنه: "السلطة الفلسطينية لن تنجو بعد رحيل عباس، ويعد الاحتلال هو الطرف الأكثر جاهزية لمرحلة ما بعد عباس، ولديه سيناريوهات وخيارات عديدة، منها ما كشفت عنه ومنها ما زال حبيس الأدراج ومن تلك السيناريوهات ضم الضفة الغربية في حال غادر عباس السلطة، مبررة ذلك بالفراغ السياسي أو الاقتتال الداخلي، وأمام هذه المعضلة، هناك جملة من السيناريوهات الممكن حدوثها بعد رحيل محمود عباس.

سيناريوهات محتملة لخلافة رئيس السلطة محمود عباس بعد رحيله، فهناك أكثر من سيناريو محتمل قابل للتحقق على النحو التالي:

1- سيناريو تولي رئيس التشريعي

تنص المادة (36- فقرة 2) من القانون الأساسي المعدّل على ما يلي: "إذا شغر مركز رئيس السلطة الوطنية في أي من الحالات التالية (الوفاة أو الاستقالة أو فقدان الأهلية القانونية) يتولى رئيس المجلس التشريعي مهام رئاسة السلطة الوطنية مؤقتاً لمـدة لا تزيد عن 60 يوماً تجرى خلالها انتخابات حرة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد وفقاً لقانون الانتخابات الفلسطيني"، وهذا ما جري في الانتخابات الرئاسية عام 2005، حيث تقلد روحي فتوح رئيس التشريعي أنذاك منصب الرئيس مؤقتاً، ووفقاً لهذا السيناريو فإن د. عزيز دويك - رئيس المجلس التشريعي سيكون هو رئيس السلطة الفلسطينية بعد رحيل محمود عباس لأي سبب كان، وهو صاحب الأحقية في تولي رئاسة السلطة مؤقتاً ويعد هذا السيناريو الأقرب لمنطق الاحتكام لنصوص القانون الأساسي، كما يعتبر السيناريو الدستوري الأقوى ولكون حل المجلس التشريعي لم يأت منسجما وصحيح للأحكام الصريحة للقانون الأساسي، بل اجتهاد المحكمة الدستورية، فإن تبني هذا الخيار يستلزم توافقا وطنيا، وسيواجه العديد من التحديات أهمها تعطل عمل المجلس التشريعي في الضفة الغربية، وعدم تجديد شرعية رئاسة التشريعي، وقرار المحكمة الدستورية بحل التشريعي خلال العام 2018 والذي يعتبر قراراً باطلاً مثيراً للجدل، إضافة لمسكن دويك في ظل الاحتلال الصهيوني ما قد يمنع تولي دويك مهام رئيس السلطة الوطنية وتعرضه للاعتقال.

2- سيناريو تعيين نائب للرئيس

منذ أن أعلن محمود عباس عدم رغبته الترشح لأي انتخابات قادمة، تسارعت المقترحات لحل أزمة خلافته، خاصة في ظل تعذر القيام بانتخابات رئاسية في ذلك الوقت، وبالتالي خلو منصب الرئيس دون وجود من يخلفه بشكل قانوني، أدى لطرح تعيين شخصية في منصب نائب للرئيس تملئ الفراغ في حالة حدوثه شاغراً، وذلك عن طريق انتخابه بشكل مباشر من المجلس المركزي الفلسطيني، باعتبار أن المجلس المركزي هو من مدد للرئيس والمجلس التشريعي بعد انتهاء المدة القانونية، وهو المؤسسة الوحيدة القادرة على اختيار هذا المنصب، في ظل صعوبة عقد المجلس الوطني لاختيار شخص تولي المنصب، هذا السيناريو يواجه تحديات سياسية وقانونية عدة، أهمها عدم وجود نص قانوني على تعيين نائب للرئيس وبالتالي تعيينه سوف يقود لموجه خلافات سياسية جديدة، ناهيك عن عدم الاتفاق على شخصية محددة لتولي ذلك المنصب (نائب الرئيس)، بحيث اجتهد عباس مؤخرا طرح من يمثل محل نائبا له في المناصب التي يمثلها فوضع بالتزكية محمود العالول نائبا بحركة فتح وحسين الشيخ أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير خلفاً لصائب عريقات وهذا منصب رفيع المستوى يمثل النائب بقرارات المنظمة.

3- سيناريو تعين رئيس المحكمة الدستورية

حمل قرار تشكيل المحكمة الدستورية من قبل محمود عباس، مطلع (إبريل/نيسان 2016) دلالات عدّة، ما يعني أن تشكيلها من قبل عباس جاء استعداد لمرحلة ما بعده؛ وهي في الواقع محاكاة واستحضار للمشهد المصري بعد عزل الرئيس محمد مرسي، هذا السيناريو غير قابل لتحقيقه بنسبة كبيرة وهو أحد أكثر السيناريوهات الخطيرة، وسيواجه رفض من قبل حركة حماس وبعض الفصائل والقوى الفلسطينية الأخرى، باعتباره خيار لا ينص عليه القانون الأساسي الذي ينظم عمل السلطة الفلسطينية، والمبني على بطلان شرعية تلك المحكمة وتعيين رئيسها المستشار محمد الحاج قاسم.

4- سيناريو القيادة الجماعية

تعد أحد الخيارات المحتملة لمرحلة ما بعد عباس وتمثل خيار القيادة الجماعية، من خلال تولي أكثر من شخصية المناصب التي ترأسها عباس، لكن خطورة هذا السيناريو تكمن في العودة لتنازع الصلاحيات والمسؤوليات من جديد، لأنه في حالة تطبيق هذا السيناريو سوف نكون أمام نظام سياسي بعدة زعامات، خاصة في ظل غياب التوافق الوطني واستمرار النزاع على السيطرة، الأمر الذي قد يؤدي لصراع محموم على السلطة والزعامة بين قيادات فتح المقربين من عباس، أما فكرة توزيع المناصب والسلطات التي يترأسها عباس ليست بالفكرة الجديدة، بل كانت مطروحة خلال الأيام الأخيرة لحياة الزعيم الراحل ياسر عرفات، وعادت الآن لتطرح من جديد وأعتقد أنها من أسوأ السيناريوهات، التي تعمل على توزيع المناصب والمؤسسات التي ترأسها عباس على أكثر من شخصية، خاصة في ظل هذه الظروف التي تمر فيها القضية، وعدم وجود الشخصية التي يمكن أن يجمع عليها الكل الفلسطيني.

5- سيناريو الصراع الداخلي والفراغ الأمني

حساسية الوضع الفلسطيني الراهن وتقدم محمود عباس في العمر، وتردي حالته الصحية، اعتبرت محل اهتمام كبير في الأوساط الفلسطينية والعربية والدولية، فالقضية الفلسطينية تمر بمنعرج خطير، وغياب عباس لأي سبب كان، يمكن أن يؤدي لتداعيات كبيرة وخطيرة على الوضع في الأراضي الفلسطينية في ظل عدم بروز شخصية فلسطينية قادرة على توحيد المناصب التي ترأسها عباس؛ بما يعني أن مرحلة ما بعد عباس سوف تتسم بتوزيع المناصب والصراع على السلطة من خلال اتجاهين: الأول بين قيادات السلطة في رام الله والثاني بين أقطاب فتح مما يعني أن مرحلة ما بعد عباس ستكون أكثر تعقيدًا من المرحلة الحالية، بسبب عدم العدل والرضا بتقسم الكيكة الرئاسية بطعم المزاج الصهيوأمريكي، الأمر الذي يجعل الصراع والاقتتال حاضر بينهم قطبي فتح عباس ودحلان والشخصيات المتنفذة بالسلطة على سبيل المثال الشيخ والرجوب وفرج وفتوح وغيرهما.

لذا آما آن الآوان وبعد أكثر من عقد ونيف من الزمان لتأصيل حالة التغيرات التي طرأت على القضية الفلسطينية إقليميا ودوليا، فلا بد من البحث عن حلول جذرية ولا حل إلا بإجراء الإنتخابات، لذا فإنه من السهل الرد على كل هذا الجدل الدستوري والسياسي العقيم بالإعلان عن قيام مرحلة إعادة بناء مؤسسات السلطة وفق القانون الأساسي، وهذا ما حدث فعلا بإعلان دولة فلسطين كمراقب غير عضو، معنى هذا الإعلان إسقاط كل مؤسسات أوسلو وإستبدالها بمؤسسات الدولة، وعندها ليس من حق أي أحد أن يدعي تمسكه بالشرعية، هذا هو المخرج المقترح، حول الإعلان عن مرحلة قيام الدولة ومؤسساتها، لتكن لدينا شجاعة اتخاذ القرار، وإنهاء حالات التفرد الخارجة عن الإطار القانوني، والخروج بقيادة جديدة منتخبة من الشعب بكل نزاهة وشفافية.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة