لم تهدأ موجة الغضب الفلسطيني التي فجرتها تصريحات القيادي في حركة فتح ومحافظ مدينة نابلس اللواء إبراهيم رمضان التي وصف فيها أمهات الشهداء الفلسطينيين بـ "الشاذات"، في سقطة أخلاقية مدوية تقتضي تجريده من صلاحياته وإقالته وتقديمه للمحاكمة لتجرئه على شتم الرمز الأبرز للنضال الفلسطيني "أم الشهيد" التي تمثل فلسطينيًّا رمز التضحية والفداء الذي لطالما تفاخر به الشعب الفلسطيني طوال مسيرة نضاله الوطني في مواجهة الاحتلال.
يعتبر محافظ نابلس وفق القانون الفلسطيني المسؤول الأعلى سلطة في نابلس، وهو يمثل بألفاظه وأفعاله وممارساته رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وتقع ضمن صلاحياته مهمة ضمان سيادة القانون وحماية الحريات العامة وحقوق المواطنين، إلا أن اللواء إبراهيم رمضان نكص عن واجباته الوطنية والأخلاقية حين صمت راضيًا عن اقتحام جيش الاحتلال للبلدة القديمة في مدينة نابلس واغتيال المقاومين الأبطال "إبراهيم النابلسي وإسلام صبوح" مطلع أغسطس الماضي، وبدلًا من ممارسة دوره وصلاحياته في حماية الفلسطينيين، وتوجيه تعليماته لعناصر الأمن الفلسطيني بالدفاع عن أبناء نابلس وجدناه يشتكي عبر الإعلام وقوف آليات الاحتلال على باب محافظته، معبرًا عن ضعفه لأن "مجندة مومس أوقفته على الحاجز" وفق تعبيره.
لكن قوة الرجل بانت واتضحت حين تقمص لاحقًا دور جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية في ملاحقة المقاومين الفلسطينيين في مدينة نابلس، فالرجل أقر دون خجل بمطالبته المقاومين الفلسطينيين بتسليم أسلحتهم، واستمر في تنسيقه الأمني المشبوه مع جيش الاحتلال حين أقدم على توجيه التعليمات لعناصره بملاحقة واعتقال المطلوب الأول للاحتلال في نابلس البطل مصعب اشتية، الذي صرح محاميه قبل أيام بأنه موقوف في سجون السلطة الفلسطينية على ذمة محافظ نابلس.
واليوم يستمر محافظ نابلس في ممارسة دوره القذر في ملاحقة المقاومين، وتشويه النضال الفلسطيني، والطعن في أعراض أمهات الشهداء، فالتصريحات المشينة التي أدلى بها الرجل حين اتهم الأم الفلسطينية بالشذوذ كونها ترسل ولدها الشهيد "لتنفيذ عملية والانتحار" وفق مزاعمه، وإصراره على شتم أم الشهيد الصابرة حين نفي عنها صفة النضال بقوله: "يعتقد الناس أنها أم مناضلة، لكنها ليست أم من ترسل ابنها للموت"، في تقمص تام لدور الاحتلال الذي لطالما أطلق حملات إعلامية لتشويه النضال الفلسطيني والطعن بنُبل أهداف العمليات الفدائية التي نفذها فلسطينيون أبطال.
تتساوق تصريحات وممارسات محافظ نابلس المشينة مع سياسة السلطة الفلسطينية القائمة على قطع رواتب أهالي الشهداء والأسرى والمحررين وإلغاء وزارة الأسرى، وهي إجراءات اتخذتها قيادة السلطة الفلسطينية للحد من التحاق الشباب الفلسطيني في ركب الثورة الفلسطينية، وبناءً على توجيهات مباشرة من حكومة الاحتلال، ما يشير إلى أن محاربة النضال الفلسطيني، والطعن بشرف الشهداء أضحى هدفًا صهيونيًّا يتم تنفيذه بأيادٍ فلسطينية قبلت أن تصبح أداة طيعة للاحتلال مقابل حفنة من الميّزات والأموال التي يمنحها جيش الاحتلال لقادة السلطة الفلسطينية مقابل استمرار تعاونهم الأمني مع أجهزة أمن الاحتلال في الضفة المحتلة.
اللافت في تصريحات محافظ نابلس التي طعنت بأمهات الشهداء هو موقف حركة فتح وقيادة السلطة الفلسطينية في الضفة المحتلة، فبدلًا من التبرؤ علنًا من تلك التصريحات المسيئة للقضية الفلسطينية ورموز الشعب الفلسطيني، وجدنا قيادة السلطة الفلسطينية التي تمثل تيار أوسلو تقدم له الحماية من خلال صمتها المطبق، وعدم استنكارها وتنديدها بتصريحاته المشينة، بل وذهبت تلك القيادة العفنة أبعد من ذلك حين أصدرت بيانًا باسم حركة فتح في إقليم بيت لحم تدافع فيه عن ذلك المأفون، وتحذر وتهدد من يمسه بسوء، وكأنها توجه بطريقة غير مباشرة طعنة غادرة لشرف وكرامة أمهات الشهداء اللاتي يمثلن مصدر فخر وعز للكل الفلسطيني.
إن الاعتذار الذي قدمه لاحقًا محافظ نابلس على إساءته لأمهات الشهداء، عوضًا عن كونه جاء متأخرًا ونتيجة تفجر الغضب الشعبي الفلسطيني، فإنه ينبغي أن يتبعه مغادرة سريعة للمنصب الذي يشغله، فاستمراره في ذات المنصب، وممارسته ذات النهج في تسفيه المقاومة، وملاحقة المقاومين والتنسيق الأمني مع الاحتلال، وإقدامه على إخلاء شوارع نابلس من عناصر الأمن الفلسطيني بمجرد اقتحام جيش الاحتلال لاغتيال المقاومين واعتقال الأحرار إنما يؤكد تساوق الرجل مع أهداف الاحتلال، وعدم ندمه أو تراجعه عن قناعاته التي عبر عنها بألفاظه وكلماته المسيئة لأمهات الشهداء وأبطال البلدة القديمة في نابلس.
إن إقالة الرجل من منصبه باتت مطلبًا شعبيًّا ونخبويًّا ينادي به الكل الفلسطيني، وإن اعتصامات ومطالبات أمهات الشهداء بضرورة محاسبة الرجل وإقالته من منصبه ينبغي عدم تجاهلها من قبل قيادة السلطة الفلسطينية، فأحداث نابلس التي فقدت فيها السلطة سيطرتها على الشارع الفلسطيني إثر اعتقالها للبطل مصعب اشتية لا زالت مسبباتها حاضرة، ولا ضمان لأجهزة السلطة من استعادتها السيطرة على غضب الشارع الفلسطيني في حال اندلعت احتجاجات مشابهة في المستقبل.