كان الفتى اليافع قيس شجاعية مجبولاً بحب الأرض، وعاشقاً لترابها، ففي شهر أكتوبر من العام ٢٠١٥م كانت المواجهات على أشدها قرب مستوطنة بيت إيل، والتي تَقع شمال شرق البيرة، والمُقامة على الأراضي الفلسطينية لأهالي البيرة ورام الله، وكان قيس ذو (16) عاماً يضع على كتفيه راية خضراء تعود لحركة كانت وما زالت تؤمن بالمقاومة، والجهاد، ويحمل في يده مقلاعاً، يَتقدم، فيلتقط حجراً، ثم يودِعه المقلاع، ويدور الحجر مرة، والثانية، ثم ينطلق صوب الجنود، فعلها الفتى مرةً، ومرة، تَقدم إلى الأمام حتى باغته الجنود بإطلاق النار على قدمه، وأصابوه، ومن ثَم منعوا طواقم الاسعاف من حمله، واعتقلوه.
ثم قضى الجريح قيس شجاعية في مشفى "هداسا عين كارم" 15 يومًا، أجريت له خلالها عملية لزرع البلاتين في قدمه اليمنى، وهو مكبل اليدين والقدمين، وبحراسة مشددة من جنود الاحتلال الصهيوني، وأُفرج عنه بتاريخ 03/11/2015، مقابل كفالة مالية قيمتها أربعة آلاف شيكل.
هذا الفتى قيس شجاعية من بلدة جرير شرق رام الله، آمَن بفكرة المقاومة، وانتمى إلى حركة حماس منذ أن كان صغيراً، لهذا رأيناه يقارع العدو بمقلاعه الصغير في حجمه، الكبير في قيمته، ونشأ وترعرع في مساجد بلدة جرير، فقد كانت حماس تَحُث أبنائها على مقارعة العدو على الحواجز آنذاك، وكانت تدعو إلى استمرار المواجهات على الحواجز الصهيونية، ومشاغلتها بالحجر، والمولوتوف، والمتاريس، وإشعال الإطارات، والألعاب النارية مما شَكَلَ بيئة حاضنة لمواجهة العدو، واستهدافه في كل حاجز، ومكان.
واجه العدو الصهيوني بمقلاعه، ومن ثَم مارسَ المقاومة الشعبية بكل تفاصيلها، واستمر في المشاركة في كل المواجهات مع الاحتلال، وجنوده، وتواجد في نقاط الاحتكاك مع العدو، حتى اشتد عوده، وقَوِىَ ساعِده، وعَلت هِمته مما أهَلَّه لأن ينتمي لكتائب القسام، وأن ينخرط في صفوف مجاهديها، وأن يحمل السلاح ليقوم بواجبه الجهادي المقدس، ويواجه الغاصبين بالبارود والنار.
بعد سبع سنوات، وبعد أن اكتمل الاعداد النفسي، والبدني، واللوجستي حمل المجاهد قيس شجاعية سلاحه الطاهر مساء الجمعة الموافق ١٥ أكتوبر/2022م وأطلق النار صوب منازل مستوطنة بيت إيل، وأصابت رصاصاته مستوطناً بجروح، وخاض اشتباكاً مسلحاً مع جنود الاحتلال حتى ارتقى شهيداً إلى العلياء نحسبه كذلك، ولا نزكي على الله أحدا.
لذلك، آمنت قيادة المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس بالتراكمية الجهادية، وأن حرف الباء لن يسبق حرف الألف في ترتيب الحروف مطلقاً، وأن كل خطوة مرتكزة على الخطوة التي سبقتها، وأثبت أيضاً بأنها تمتلك من الوعي الكثير، فعندما كان مجاهديها هناك في ضفة العياش يقومون بخوض المواجهات على الحواجز، ويشتبكون مع العدو بالحجارة كانت بعض الأصوات تقلل من الجهد المبذول، وتعتبره بأنه دون المطلوب، فلولا هذه المواجهات المستمرة مع الاحتلال على نقاط التماس، وعلى الحواجز لما نضجت البيئة السليمة، والتي من خلالها تم تجنيد الشهيد المجاهد قيس شجاعية واخوانه المجاهدين.
فقد انتهى زمن المقلاع، وبدأ عهد النار التي ستحرق المحتل وجنوده، وستمتد لجغرافيا الوطن من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه حتى يأذن الله بالنصر والتحرير، يسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا.