قائمة الموقع

وداعا شهداء الياسمينة

2022-10-26T22:57:00+03:00


✍️ شادي أبو صبحة
حارة الياسمينة في جبل النار حيث يتربى الأبطال على حب الأوطان، فلا سطوة تعلو على رائحة الحي ولا قصور وديوان الياسمينة، و"صانع الخير"، ولا صوت يعلو على تكبيرات جامعي الساطون والخضراء، بيوتها القديمة كأنها مصفوفة موسيقية ودهان عماراتها لوحة مرصعة بصور الأبطال ورائحتها مسك الشهداء. 
بين دهاليز الحارة الممتدة في البلدة القديمة في نابلس العتيدة تنسج حكايات البطولة والفداء، بين شبان أفذاذ ما بدلوا وما غيروا ما عاهدوا عليه بالجهاد وحماية الحي من الاحتلال وقطعان المستوطنين.
ليلة صعبة عاشها أبطال نابلس وحارة الياسمينة الشجعان، حينما اقتحمت قوة خاصة صهيونية حارة الياسمينة في طريقها لاغتيال بطل من أبطال الحارة وقائد عظيم في عرين الأسود، فواجه سيلا من البطولة والشجاعة وتصدى له أبناء الحارة الصغيرة بالموت فاستشهد حمدي شرف، وعلي عنتر بعد اكتشافهم الوحدة الخاصة التي اشتبكت فيما بعد مع أقمار العرين، الشهداء: حمدي قيم، مشعل بغدادي وقائد العرين الشهيد وديع الحوح، وبدأت الحكاية مع بطل جديد لا نعلمه، فنابلس ولادة الأبطال.
وانطلق موكب الشهداء، مشهد مهيب لسيل من الأحياء، زغاريد وشجون ودموع الفراق والمحبين، وأصوات تكبيرات المآذن تصدح في ربوع الحبيبة نابلس وكل فلسطين، يتنقل الموكب في مفترقات المدينة وتتدفق تيارات المشيعين.
في المشهد الآخر جموع غفيرة تنتظر على ناصية الشارع الكبير وفي الأفق تلوح مواكب الشهداء كخيالات بعيدة، وتتدفق المسيرة إلى قلب المخيم، تزفه الزغاريد وأصوات التكبيرات، وبائع الورد لم يغلق محله فأبى إلا أن ينشر العطور والورود على أجساد الشهداء المسجاة كأنها على بساط الريح محمولة.
هناك في الأفق وعلى مد البصر تعكس نعوشهم أشعة الشمس التي بدأت تذوب كسوفاً من أقمار حي الياسمينة، فتتلألأ على مدى البصر، ويتهادى نورها ينصب نحو "منارة نابلس العتيدة" ومنها إلى سوق العطارة تنشر عبق الشهداء فيها؛ يعبق الحي لأعوام قادمة، وقبل أن يتوارى الموكب عن الأنظار، فاصلًا بين أطلال قصورها العتيدة العتيقة وحدائقها المعرشة بشجيرات "الياسمين" وبقايا حارات نابلس؛ يلتفت الشهداء في نظراتهم الأخيرة يودعونها على موعد مع زيارة ليلية قادمة.
وبينما تزور أرواحهم ساكني الحي ليلا تعيد عليهم الذكريات الغالية، تفيق الحارة على ذكريات شوارعها المغطاة بدماء الشهداء، وحشود المشيعين الذين تفجرت حناجرهم بالهتافات ورج هدير هتافاتهم جدران الياسمينة خلف وديع الحوح، ومن قبله إبراهيم النابلسي، وتامر الكيلاني، وباقي الرفاق، لتبقى هذه الحكايات تسرد كل ليلة، على ناصية الحارة وفي مفترقات شوارعها الضيقة للأبطال من خلفهم.
باتت نابلس ليلتها حزينة، وطوت حارة الياسمينة صفحة من بطولات أبنائها الشهداء ورفاق دربهم في عرس مهيب ولم تبالِ النار ولظاها، وتزين جبل النار بالعز والعزم والإباء والثبات، والتف الرجال بأكتاف الرجال وصدح الأذان مع نسيم الفجر.
في مشهد علوي من التشييع المهيب والجنازة المشهودة.. هناك على مقربة من سوق العطارة شاهد الراوي أم الشهيد علي، تقلب المارة، وفي أذنها صوت ضجيج المسير الذي يملأ الفراغ، تخالطها الشجون وتنصت!! لعلها تسمع نداء أحد الأحبة، غير أن أصوات الرصاص وزعت الحزن فأصابها منه المصاب، ولم تقبل شهيدها قبلة الوداع، فوقفت من بعيد تحرك يدها وداعا.. وداعا، يا فلذة كبدي.
فالموقف جلل وموكب الشهداء يسير في عجل، والأحياء يلهثون خلف المسير، تصحبهم الهتافات ويعلو صوت التكبير، والأناشيد تزاحم ضجيج الآلاف من البشر جاءوا في استفتاء على المقاومة.
وهناك على ناصية الشارع مشهد آخر، أم تقف تتنقل نظراتها بين البريق والأمل والشمس لا زالت مكسوفة من أقمار الحارة المشيعين إلى الخلود، وجنازة الشهداء لا زالت تتعجل الغياب عن الأنظار، وهي تقف على جانب الطريق، تتفقد المشيعين واحدا تلو الآخر تبحث بينهم عن حياتها، تقلب نظراتها بين توابيت الشهداء تارة وبين الجموع ذات اليمين وذات الشمال تارة أخرى، لعلَّها تجد ولدها المطارد الذي لم تشاهده منذ زمن.
فجأة!! هدأت الأصوات فلا صوت ولا حراك، فقد خرج من بين الجموع بطل ملثم، ممشوق القوام معصوب الجبين، كشف عن وجهه اللثام وأخذ يقبلها حتى ترضى، ثم عاد واختلط بالجموع المحتشدة ليشيع رفاقه الأبطال، وتركها تفتش من جديد، لعلها بعد أيام تستطيع تقبيل جبينه وهو شهيد.
في حي الياسمينة قصص البطولة والفداء ترفع بها الرأس فخراً، قصص تدمي القلب ألماً، هذه الحارة العتيقة أمست تخط بالدماء نقوشا عصية على الأيام أن تمحوها أو تزيل أثرها، رموز ترسخت في وجدان أهل الحارة لتخلد ذكراهم وتظل شاهدة على بطولتهم.
تموج الأناشيد وتعلو الأفق قبل أن يتبدد المشهد الأخير عن محيط من الأجساد المتلاطمة التي تتلاقى بعنف وتحمل على الأكتاف الشهداء الخمسة، تدب أقدامهم على أرض الياسمينة، فتلوح أوصال منازلها مع وقع أقدامهم الثقيلة ويتوج الأبطال بالأكاليل المرصعة بالزهور.
وداعا سادتي الشهداء...

اخبار ذات صلة