قائمة الموقع

فلسطينيات يكسرن احتكار الرجال للصحافة الرياضية

2022-04-30T20:30:00+03:00
الإعلاميات الرياضيات في غزة

منذ انطلاق الصحافة الرياضية في فلسطين عام 1924، احتكر الرجال المهنة استنادا لقواعد المجتمع ونظرته، التي لا تسمح بوجود الفتيات، كون وجودهن أمر مخالف للعادات والتقاليد، ناهيك على أنه من الممنوع عليهن التواجد في المدرجات لحضور المباريات والأنشطة الرياضية.

ولكن الأمور تغيّرت قبل حوالي "15 عاما"، إذ كان شاهدا على زيادة ملحوظة في عدد الصحفيات العاملات بالمجال الرياضي، ما أسهم في تغيير نظرة المجتمع إليهن، اعتمادا على قاعدة المساواة في العمل بين الرجل والمرأة.

وبحسب الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، فقد بلغ عدد الصحفيات العاملات في هذه المهنة، قرابة 30،  في دلالة على أهمية عملها في مختلف المجالات

مشهد غير مألوف

ففي عام 2011، تفاجأ الجمهور المتابع لإحدى مباريات الدوري الفلسطيني بفتاة تحمل كاميرا تلتقط بها صور اللاعبين، تتنقل بكل جرأة بين جنبات الملعب دون الاكتراث لدهشة وصدمة البعض، في مشهد لم تعتد عليه الملاعب الفلسطينية التي كانت تقتصر فقط على الذكور.

نيللي إسماعيل المصري أول صحافية رياضية فلسطينية متخصصة، شقّت طريقها نحو العالمية رغم التحديات والصعوبات التي واجهتها في بداية عملها الإعلامي.

وبحسب المصري، فإن بدايتها كانت عبر إذاعة "الحرية"، ما دفعها الصورة النمطية في مجتمعنا المحافظ، الذي يتقبل عمل المرأة في مجالي الصحة والتعليم فقط.

ورغم ذلك، لم تسلم المصري من حملة الانتقادات الواسعة التي تعرضت لها سواء عبر الاتصالات المباشرة أو صفحات التواصل الاجتماعي، فتارة كانت الاتهامات من منظور ديني وأخرى من منظور عنصري ليصل الأمر في بعض الأحيان للتهديد والوعيد، هكذا توضح.

وتقول: "واجهت انتقادات كبيرة داخل مجتمع لا يقبل المرأة كصحفية في المجال الرياضي، لكن الحمد لله عملي هو من كان يتحدث عني، وفي النهاية بدأ الناس يتقبلون فكرة دخول الصحفيات للملاعب".

وكشفت تعرضها للعديد من المواقف المحرجة، أبرزها تعرضها للدفع أكثر من مرة خلال تواجدها على بوابات ملاعب كرة القدم، بجانب نظرة الشباب إليها باستغراب في بداية الأمر، قبل تقبل وجودها.

وبيّنت أنها شاركت في تغطية الكثير من البطولات المحلية والخارجية، ما جعل لها اسما لامعا في مجالها، إذ كان الصحفية الوحيدة التي مثّلت الوطن في تغطية ألعاب غرب آسيا بقطر عام 2005، وبطولة "خليجي 21" في البحرين، وفعاليات رياضية كبرى أخرى.

وخلال مسيرتها الصحفية، تذكر المصري أنها حصلت على العديد من الجوائز المحلية والعربية، أبرزها المركز الأول في مسابقة "توثيق تاريخ المرأة الرياضية على مدار 60 عاما" عام 2008، وكذلك المركز الأول في فئة أفضل صورة صحفية رياضية بمسابقة مؤسسة "أمواج الرياضية" 2016، وأخرى.

مواقف في الذاكرة

وعلى غرار المصري، أكدت "خ. م"، نتحفظ عن ذكر اسمها، أنها تعرضت للكثير من المواقف في بداية عملها، التي لا تزال محفورة في ذاكرتها.

وذكرت "خ. م" أنها مرّت بلحظات عصيبة للغاية في بداية عملها، أبرزها تعرضها للتحرش اللفظي من البعض، بجانب مواقف محرجة أخرى جعلها تحبس دموعها أمامهم، قبل أن تنهار باكية فور رجوعها للمنزل.

وتروي أن اتجاهها للعمل في الصحافة الرياضية، جاء بعد تجربتها مجالات أخرى قبلها، إذ عملت خلال فترة دراستها الجامعية تخصص "الإعلام والتلفزة"، كنادلة في المطاعم وبائعة ملابس وكذلك مروجة لشركة دعاية وإعلان.

ولفتت إلى أن بدايتها مع الرياضة لم تكن سهلة أبدا، بجانب المواقف المحرجة التي واجهتها، إذ كانت تجهل الكثير من القوانين والمعلومات، ناهيك بأن وجودها في الملاعب لم يكن مقبولا لدى الكثيرين.

وتقول: "قررت مواصلة التحدي في هذا المجال، وأصبحت أجادل الكثير من الرجال في المعلومات الرياضية، وكنت الفتاة الوحيدة المتواجدة في الملاعب بالضفة المحتلة قبل حوالي 13 عاما".

وتضيف: "الحمد لله بعد مرور عدة شهور كسرت حاجز الخوف والخجل في هذا مجال كانت ترتعب منه الفتيات، أصبحت معروفة لدى الكثيرين في مختلف الرياضات، كما أني حفّزت زميلات أخريات لشق الطريق نفسه".

وشددت على أن شخصيتها أصبحت قوية بمرور السنوات، خاصة بعد حصولها على العديد من الجوائز المحلية والقارية، بجانب إنهائها دراسة الماجستير قبل حوالي 3 أعوام.

 وكشفت عن نيتها دراسة الدكتوراه خلال الفترة القادمة، مؤكدة أنها تفتخر بما وصلت إليه حتى الآن ومدى انعكاس العمل الصحفي الرياضي على شخصيتها التي تحوّل من فتاة خجولة إلى شخصية إعلامية يحترمها الجميع ويثقون بقدراتها.

معيقات وتحديات

من جانبها، ترى تغريد العمور نائب رئيس الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، أن سيطرة الرجال على هذا المجال، أحد أبرز الأسباب التي تعيق حرية عمل الفتيات، بجانب تقليل فرص حصولهن على العمل ومدى الإيمان بقدراتهن على مواجهات التحديات وإقناع المجتمع بدورهن الريادي.

ورغم منصب العمور على رأس الهرم الإعلامي، إلا أنها لم تسلم هي الأخرى من النظرة العنصرية، إذ تعرضت للكثير من المواقف التي تعكس عدم تقبل المجتمع لتواجد المرأة في الميدان، وفقا لقولها.

وأكدت أن دور اتحاد الإعلام نحو المرأة ينصب في اتجاهين، الأول تهيئة وتعزيز بيئة العمل لتواجدها في تغطية الفعاليات والمباريات دون أي مضايقات، والثاني في دعمها من خلال فرص تدريب وتطوير مهاراتها وقدراتها الإعلامية.

ونجحت نائب رئيس الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، في هذا المجال، لشغفها بالرياضة، ناهيك عن ترعرعها وسط عائلة رياضية، الأمر الذي انعكس بالإيجاب على مدى تقبلهم لعملها، خاصة أنها بداياتها كانت في الإذاعة كمقدمة برامج، إذ بقيت حوالي 6 سنوات، قبل اتجاهها للإعلام المرئي وعملها مع أكثر من فضائية رياضية محلية وعربية.

أما عبد السلام هنية مساعد الأمين العام للمجلس الأعلى للشباب والرياضة، فأكد أن المرأة نصف المجتمع، وتلعب دورا محوريا في المجالات كافة من خلال حضورها اللافت وتأثيرها الكبير في صناعة القرار الوطني.

وقال هنية: "الإعلام الرياضي شهد نقلة نوعية خلال السنوات الأخيرة بتواجد الصحفيات اللواتي أثبتن حضورهن المميز (...)، والآن أصبحنا نرى الإعلاميات يقفن بجانب الإعلاميين في مشهد لم تعتد عليه الملاعب الفلسطينية".

وأشار أن الاعلاميات يواجهن تحديات كبيرة تتمثل في هتافات بعض الجماهير التي تكون في معظمها خارج السياق الأخلاقي والرياضي، ونظرة البعض الآخر الذي لا يقبل أن تتواجد الفتيات بين الذكور.

وشدد على أن المجلس الأعلى للشباب والرياضة، يدعم تواجد المرأة في المجال الرياضي ويرعى العديد من الأنشطة الرياضية النسوية، لافتا إلى أن المجتمع بحاجة لتعزيز تلك الثقافة التي تنمّي دور المرأة في مختلف المجالات، وهو ما يسعى إليه من خلال الشراكة مع كافة المؤسسات، بحسب تعبيره.

طفرة نوعية

في المقابل، كشف اللاعب المخضرم أدهم المقادمة، الذي اعتزل كرة القدم حديثا، عن وجود فارق كبير في التغطية الصحفية الرياضية، مقارنة عما كانت قبل حوالي "15 عاما".

وقال المقادمة "38 عاما"، إن الصحافة الرياضية تطوّرت كثيرا مع دخول المرأة المجال، بجانب انتشار المواقع الرياضية عبر الإنترنت.

وأضاف: "كنا نعاني للحصول على صورنا الخاصة في الملاعب، التغطية كانت مقتصرة على الصحف اليومية بجانب البرامج الرياضية التلفزيونية، لم يكن هناك أي موقع إلكتروني".

وتابع: "عام 2010 شهد طفرة نوعية بوجود الصحفيات العاملات في المجال الرياضي وكذلك المواقع الإلكترونية، وهو ما سهّل علينا من مسألة الحصول على الصور والفيديوهات الخاصة بالمباريات".

ولفت إلى أن وجود الصحفيات في الملاعب، شكّل نقلة كبيرة في الإعلام الرياضي الفلسطيني، مبينا أن ذلك يفرض على اللاعبين التعامل بهدوء وثبات وحذر خلال إجرائهم المقابلات.

وحول الاختلاف في الحديث للصحفي والصحفية، بيّن المقادمة أن الحوار مع الرجال يجعله يشعر بأريحية في الحديث دون أي ضوابط في الكثير من الأشياء، وعلى العكس تماما حينما يتحدث مع المرأة، إذ يكون حذرا في اللقاء خلال إجاباته.

ضوابط العمل

بدوره، ذكر الدكتور درداح الشاعر المختص في الشأن الاجتماعي، أن المرأة شريكة الرجل في شتى مجالات الحياة ولا مجال لتهميشها، استنادا لمقولة "المرأة نصف المجتمع".

وأوضح الشاعر أن أي عمل يضع المرأة في مكانة مرموقة أساسها الحشمة فهو مقبول، خاصة أن المجتمع يحترمها كعاملة على غرار أهميتها وكيانها في المنزل، مبينا أن الكثير من المهن أصبحت شاهدة على وجودها في السنوات الأخيرة شأنها شأن الرجال.

وقال: "الصحفية الفلسطينية قدّمت الكثير للرياضة في السنوات الأخيرة، وعملها في هذا المجال يجب أن يكون قائما على الضوابط والأخلاق دون تجاوزها وكذلك احترام القيم المجتمعية".

وشدد على ضرورة التزام الإعلامية أيضا بالميثاق الصحفي والأخلاقي، الذي يجعلها تفرض حضورها على الساحة بقوة شخصيتها.

ونوه إلى أن المشكلة الكبرى التي تواجه الكثير من الصحفيات، هي نظرة البعض وثقافته المبنية على "الجاهلية"، دون وعي لأهمية تواجدهن كشركاء للرجال.

وبخصوص بعض الصحفيات للمعاكسات، طالب المختص في الشأن الاجتماعي، بفرض أقصى عقوبة على المخطئين حتى يكونوا عبرة لغيرهم من جهة، وضمان عدم تكرار مثل هكذا تصرفات "دنيئة" من جهة أخرى، بحسب وصفه.

ولفت الشاعر إلى ضرورة اختيار المرأة، العمل الذي يناسبها، شريطة أن يضمن لها الأمان في خروجها ورجوعها لمنزلها، بجانب المحافظة على أنوثتها.

ودعا الرجل لمساندة المرأة والوقوف بجانبها لكسر جميع الحواجز والمعيقات التي تواجهها في العمل، بهدف تحقيق الشراكة الاجتماعية.

نجاح كبير

وبعيدا عن الجانب السلبي ونظرة المجتمع، اعتبر ياسر رضوان عضو الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، أن المرأة الفلسطينية نجحت في كتابة اسمها بكافة المجالات، وشكّلت الرياضة أحد أدوات الدعم والقوة لها، رغم التحديات والمعيقات التي تواجهها في مجتمع محافظ.

وقال رضوان إن تزايد مشاركة المرأة لم يقتصر فقط على وجود الإعلاميات في الملاعب الرياضية، إذ أصبحنا نشاهد تواجد أمهات وزوجات اللاعبين يشجعن ويدعمهن، في مشهد لم تعتد عليه الجماهير في السابق.

وأكد أن اتحاد الكرة وضمن برامجه التطويرية، يسعى لإقامة دورة تدريبية لمدربات كرة القدم ليحصلن على رخصة الاتحاد الآسيوي، في ظل الاهتمام من بعض الأندية بتشكيل الفرق الرياضية.

وأشاد رضوان بالإنجازات التي تحققت على صعيد الاعلاميات، خاصة أنهن شكّلن نموذجا يحتذى به بوجود الإعلامية تغريد العمور على رأس الهرم الإعلامي الرياضي.

اخبار ذات صلة