تقرير الجمعيات الاستيطانية.. ذراع الاحتلال لنهش أملاك المقدسيين وسلبها

صورة توضيحية

شهاب – تقرير خاص

يسعى الاحتلال جاهدًا منذ عام 1967 لدحر المقدسيين عن أرضهم وإحلال المستوطنين بدلاً منهم تحت ذرائع وحجج مختلقة.

ولتنفيذ مخططاته بالسيطرة على القدس وفرض الهيمنة عليها اتبع الاحتلال طُرقاً وأساليب متعددة، واحدة منها ما يعرف بـ "الجمعيات الاستيطانية" والتي تقسم الأعمال بينها، فما هي هذه الجمعيات وما هي أبرز طرق عملها وكيف يمكن مواجهتها؟!

يوضح الصحفي والمحلل المقدسي، محمد الصادق، لوكالة شهاب أن حكومة الاحتلال بدأت بالاستيلاء على أراضي وعقارات المقدسيين منذ عام 1967 عبر عدة قوانين عنصرية منها ما أخذ عن الانتداب البريطاني ومنها ما سنته حكومات الاحتلال المتعاقبة.

قانون المصادرة البريطاني

ولعل أبرز القوانين التي استهدفت المقدسيين ما يعرف بقانون "المصادرة أو الاستملاك لأغراض عامة" الذي سُنّه الانتداب البريطاني عام 1943 وعلى إثره صودرت مساحات شاسعة من أراضي مدينة القدس لبناء كبرى المستوطنات كمستوطنة بسجات زئيف على أراضي بلدة بيت حنينا شمال المدينة، ومستوطنة أرمون هنتسيف على أراضي بلدة جبل المكبر جنوب القدس، ومستوطنة التلة الفرنسية المقامة على أراضي السمار من قرية لفتا المهجرة، وفق الصادق.

ويوضح المحلل المقدسي أن الجمعيات الاستيطانية التي تعمل على سرقة آراضي وعقارات القدس كثيرة ولكن نشاطاتها مختلفة ووفق اتفاق بينهم تتخصص كل جمعية بمنطقة محددة وتبدأ بقضم ما تستطيع منها.

ويضيف أن لدى الجمعيات الاستيطانية ادعاءات عديدة تدفعها للانقضاض على الأحياء المقدسية، لكن يتركز معظمها على الروايات التوراتية وما تقول هذه الجمعيات إنه "التاريخ اليهودي" أو محاولة استرداد عقارات يدّعون أنها تعود ليهود قبل عام 1948.

جمعية عطيرت كوهانيم

وتعتبر جمعية عطيرت كوهانيم "تاج الكهنة" من أبرز هذه الجمعيات والتي تعمل بشكل رئيسي في البلدة القديمة من القدس وفي حي بطن الهوى في بلدة سلوان جنوب الأقصى، وتأسست هذه الجمعية في عام 1978 بهدف دعم وتجديد الاستيطان اليهودي في القدس.

ويشير "الصادق" لشهاب إلى أن الجمعية الاستيطانية تحاول تحقيق أهدافها من خلال العمل بعدة اتجاهات أبرزها البحث عن العقارات التي تعود ملكيتها ليهود سكنوا القدس قبل عام 1948، وتهجير الفلسطينيين الذين سكنوها بادعاء الملكية اليهودية أو من خلال إيجاد حجج قانونية للاستيلاء على العقارات .

وتستغل الجمعية ضعاف النفوس لشراء البيوت منهم ولكنها تتعثر في معظم الأحيان إذ يرفض الغالبية الكبرى من المقدسيين بيع أملاكهم لليهود.

ويذكر المحلل أن الجمعية تهدد 86 عائلة مقدسية في حي بطن الهوى ببلدة سلوان بحجة أن منازل العائلات تعد أملاك ليهود اليمن الذي سكنوا في حيّ بطن الهوى قبل عام 1948، وافتتحت الجمعية في الحيّ "مركز تراث يهود اليمن" بادّعاء أن كنيساً يعود لهم كان قائما بالمكان وحمل اسم "بيت العسل".

وأما في البلدة القديمة من القدس فقد سيطرت الجمعية حتى عام 2020 على 72 عقار من أصل 77 عقار استولى عليه المستوطنين في البلدة، ومن أبرز البؤرة الاستيطانية التي تشرف عليها "عطيرت كوهانيم" هي البؤرة المسماة "بيت شارون" والواقعة في منتصف طريق الواد الموصل للمسجد الأقصى.

جمعية إلعاد

أما الجمعية الأخرى التي تنشط بقوة في الاستيطان بالقدس فهي جمعية إلعاد الاستيطانية والتي تأسست عام 1986 وتعتبر من أغنى الجمعيات غير الحكومية في إسرائيل، ويتركز عملها بشكل أساسي في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، حيث تشرف اليوم على 81 بؤرة استيطانية في "سلوان"، وفق الصادق.

وتدعي الجمعية أنها تهدف لـ"تعزيز الاتصال اليهودي الإسرائيلي الحاضر بالماضي والحفاظ على إرث داوود"، لذلك تتخصص بالاستيطان في بلدة سلوان لاعتقادها بأنها البلدة التي أسس فيها الملك داوود مملكته قبل نحو 3 آلاف عام.

ولتحقيق هدفها تعمل "إلعاد" على تمويل الحفريات التهويدية وإنشاء الأنفاق أسفل المسجل الأقصى وفي محيطه من الناحية الجنوبية.

ومن أبرز المشاريع الاستيطانية التي عملت عليها هذه الجمعية، وفق الصادق، هو مبنى "مدينة داوود" ونفق "هيروديون" والذي يبعد حوالي 600 متر عن المسجد الأقصى، ويبدأ من حي وادي حلوة في سلوان وينتهي عند حائط البراق داخل بلدة القدس القديمة.

وتنظم الجمعية، إضافةً لعملها في الاستيطان، جولات وفعاليات ومحاضرات لغسل أدمغة اليهود والسياح، حيث يتلقى زائر "النفق والمدينة" شروحات حول "الهيكل الثاني" المزعوم، فيما تُنظم جولات أخرى في قناة عين سلوان يلقى فيها شروحات عن تاريخ اليهود في المنطقة زمن الملك داوود، حسب صادق.

جمعيات نحلات شمعون

ومن الجمعيات الاستيطانية في القدس والتي لا يمكن تجاوز الحديث عنها، هي الجمعية العاملة في حيّ الشيخ جراح والمسماة "جمعية نحالات شمعون"، حيث تصدرت هذه الجمعية الأخبار خلال السنوات الأخيرة من خلال نشاطها في سرقة الأراضي والعقارات في منطقة كرم الجاعوني، الشطر الشرقي من حي الشيخ جراح، لصالح المستوطنين.

وتدعي هذه الجمعية، حسب صادق، أن حيّ الشيخ جراح تأسس عام 1891 على يد مدارس تلمودية اشترت الأرض وبنت عليها سكنًا لليهود اليمنيين الفقراء، وتملك هذه الجمعية مشروع لبناء 200 وحدة سكنية في حي الشيخ جراح ومحيطه لإحلال المستوطنين بدلاً من سكّان الحي الفلسطينيين، وتعتبر الذراع التنفيذي لحكومة الاحتلال في الحي.

ويرى "الصادق" أن الخطر في "نحلات شمعون" يكمن في كون أن الجمعية تتصرف وكأنها وريثة حارس أملاك أراضي الشيخ جراح فتستغل ذلك لاستصدار أحكامًا قضائية إسرائيلية بملكية قسيمة الأرض بدعوى أن يهودًا اشتروها قبل 130 عامًا، مؤكداً على أن الجمعية تتلقى تمويلاً من الداخل والخارج بهدف تهويد الحي بأكمله، و تحقيق المشروع الاستيطاني فيه.

دعم الجمعيات

وعن دعم حكومة الاحتلال للجمعيات الاستيطانية، يقول "صادق" لـ شهاب أن حكومة الاحتلال هي من خلقت هذه الجمعيات بالأساس وتسهل عملها وتدعمها بشكل مطلق، فتتعاون دائرة أملاك الغائبين ودائرة أراضي "إسرائيل" مع وزارة الإسكان وصندوق أراضي "إسرائيل" مع هذه الجمعيات لتسهيل وضع اليد على أملاك الفلسطينيين في القدس.

كما أن "الكيان" مكن هذه الجمعيات من الحصول على قروض بشروط ميسرة من أجل ترميم المباني التي يتم الاستيلاء عليها، لافتاً الى أن هذه الجمعيات شهدت انتعاشاً غير مسبوق في فترات حكم أرييل شارون وحكم بنيامين نتنياهو.

أساليب استيطانية

وأكد "الصادق" على أن الأساليب التي تستخدمها الجمعيات الاستيطانية للسيطرة على أملاك الفلسطينيين في القدس كثيرة ومتنوعة منها ما هو مباشر ومنها الملتوي، معتبراً أن أخطر هذه الأساليب هو "قانون أملاك الغائبين" الذي سُنّ عام 1950 لتسهيل الاستيلاء على أملاك فلسطينية وأوقاف مسيحية وإسلامية غاب سكانها العرب عام 1948.

ويطبق هذا القانون، وفق الصادق، على أملاك المقدسيين بشكل كبير، ويقضي بمصادرة عقارات المقدسيين المقيمين في الضفة الغربية أو خارج البلاد ومنحها لعائلات يهودية بهدف تغيير الواقع الديمغرافي بالمدينة المقدسة.

وتعتبر حكومة الاحتلال أن مقدسي اذا خرج خارج القدس مدة 7 سنوات متواصلة ولم يُثبت عكس ذلك، يحاكم بحكم الغائبين، وتوضع عقاراته وأملاكه تحت تصرف ما يسمى "الوصي على أملاك الغائبين" لتوظيفها في تعزيز الاستيطان والتهويد، وفق الصادق.

وأما الأسلوب الآخر الذي تنتهجه حكومة الاحتلال ضد أملاك المقدسيين هو إدعاء "الأملاك اليهودية قبل عام 1948" والذي يُخول الوصي العام في وزارة القضاء الإسرائيلية بإدارة جميع الأملاك التي كانت تعود لليهود قبل عام 1948، وذلك وفقا لقانون الشؤون الإدارية والقانونية الصادر عام 1970، والذي يطالب الوصي بإعادة أي أرض أو ملك لصاحبه اليهودي أو وريثه أو خليفته.

ويضيف الصادق أن هذا القانون فتح المجال لكل من يدعي أنه صاحب ملك أو اشترى ملكا بأن يتوجه للوصي العام لاسترداده عبر تقديم لوائح ودعاوى إخلاء ضد الفلسطينيين، وتستغل الجمعيات الاستيطانية هذه الآلية في كل من حي الشيخ جراح وحي بطن الهوى في بلدة سلوان، الذي تدعي الجمعيات الاستيطانية أنه أقيم على وقف لليهود اليمنيين.

وأما الأسلوب الأخير، حسب صادق، فهو أسلوب نادر وأقل فعالية حيث يعتمد على ضعاف النفوس في القدس عبر شراء العقارات منهم من خلال سماسرة يسربونها لاحقًا لهذه الجمعيات.

كيف يحمي المقدسي أملاكه ؟

وعن وسائل المقدسيين لحماية عقاراتهم، يقول الصادق، أن القضاء الإسرائيلي هو ذراع من أذرع الحكومة كما الجمعيات الاستيطانية وقد يكون من الصعوبة مواجهة هذه الهجمات الممنهجة على أملاك المقدسيين.

إلا أن الحلول وان كانت قليلة إلا أنها غير معدومة، فتسجيل العقارات والأراضي كوقف "ذري" يعد الوسيلة الأنجع لحمايتهم من التسريب بشكل عام، كما أن الحلول القضائية، وان كانت غير مضمونة، إلا أنها قد تمكن المقدسيين من استرداد عقاراتهم من المستوطنين؛ وفق الصادق.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة