د. محمود العجرمي

حكومة "حسم الصراع" ومُخطط التصفية العِرقيّة

وأخيراً كشفت وسائل الإعلام العبرية الجمعة الماضية في 25 تشرين الثاني أن اتفاقاً نهائياً تم توقيعه بين حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو مع حزب "عوتسما يهوديت" أو "العَظَمَة اليهودية"، وهو حزب إيتمار بن غفير.

وحسب موقع "واي نت" فإن ابن غفير سيكون وزيراً للأمن الداخلي بصلاحيات واسعة، وعلى أن يكون إسحاق فاسير لاوف وزيراً لـــ "النقب والجليل"، وسيكون أيضاً مسؤولاً عن مُخطط شرعنة البؤر الاستيطانية بالضفة الفلسطينية المحتلة، في حين سيكون عميحاي إلياهو وزيراً لحقيبة "التراث".

كما أن حزب بن غفير سَيَتَولى مناصب إضافية منها أن يكون ألموغ كوهين نائباً لوزير الاقتصاد، وتسفيكا فوغل رئيساً للجنة الأمن الداخلي في الكنيست، ومناصب أخرى.

ويتضح أن كل ما تقدم يشي بأهمية وحساسية هذه المواقع الرئيسة والمؤثرة لمن يقطر تاريخهم كله بالدم الفلسطيني، فابن غفير المؤسس والممول لمنظمة "شبيبة التلال"، وكذلك ميليشيا "تدفيع الثمن"، ومن قادة مُنظمة "كاخ" بزعامة كاهانا، ومن المعجبين بالدموي باروخ غولد شتاين مُنفذ مذبحة الحرم الإبراهيمي عام 1994، بل ويُعلق صورته في صالون منزله، وقد اتهمه شبطاي مفوض الشرطة بأنه كان المُتسبب بعدوان 2021 على قطاع غزة.

ويتضمن الاتفاق بين الليكود وحزب ابن غفير قضايا تتعلق بالميزانيات والخطوط السياسية وقضايا الأمن و"الدولة" وماهيتها والدين، إلى جانب قضايا الاستيطان، وبناء المدارس الدينية ومن بينها مدرسة يهودية على أراضي بؤرة أفيتار الاستيطانية وعودتها، وشَرْعَنَة مدرسة دينية يهودية أخرى في مستوطنة حومش، وشرعنة بؤر استيطانية بالعشرات، وبناء آلاف الوحدات السكنية في معظم المستوطنات القائمة في الضفة الفلسطينية المحتلة وإغراق شرق القدس بجديد المستوطنات والمستوطنين وتوسيع معسكرات جيش الاحتلال وحواجزه.

وسيكون ابن غفير وزيراً في الكابنيت وعضواً في اللجان الوزارية المختلفة، وَسَتُمنح وزارته صلاحيات واسعة تتعلق بِعَمل الشُرطة وإدارة السجون وما تسمى "سلطة الأراضي"، وإنشاء ما يسمى "حرس وطني" واسع النطاق والتي وصفها عديد القادة العسكريين والأمنيين بأنها تشكيل ميليشيات خاصة بابن غفير وتحت إمرته يضاف إليها قوات ما يسمى "حرس الحدود" وقوة اليمام ووحدات متطوعين من قوات الاحتياط.

ويرى عدد واسع من المحللين الصهاينة أن هناك انقساماً حاداً في التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين المحتلة، وهو يمتد عامودياً وأفقياً، وقد بدأ يعتقد ابن غفير بأن الفرصة مواتية لإنفاذ "عقيدة حسم الصراع" مع الجانب الفلسطيني وأن اعتماد سياسة "إنكار" وجود الشعب الفلسطيني والعمل على "جَزّه " من تحت الطاولة، لم تعد مُقْنِعةً أو مُجْزية، وأنه لا بد من إعلان ذلك على المَلأ وتحويلها إلى سياسة رسمية كما يُصَرّحُ اليوم جهاراً نهاراً رباعي الحكومة الفاشية العتيدة بأركانها الأربعة: نتنياهو، ابن غفير، سموتريتش، درعي، وما يمثلونه مع حلفائهم الآخرين من أحزاب دينية قومية يهودية متطرفة، وهي التي ستعمل على جبهات أربعة أساسية أيضاً: القدس، قطاع غزة، الضفة، ومناطق 1948، وستفرض حقائق الجغرافيا السياسية الامتداد إلى الشمال مع حزب الله، وسوريا والعراق وإيران.

وسيتحرك الرباعي الفاشي في حكومة نتنياهو مسلحاً بترسانة الصلاحيات والأدوات المُعدّة لهذا الهدف وبغطاء قانوني عُنصري يسعى لاستثمار الأغلبية في الكنيست، وليعود جيش الاحتلال لصورته الأولى في ميليشيات جديدة قديمة من الهاغاناة، هاشومير، إرغون، ليحي، واللواء اليهودي وغيرها.

ويستمر نتنياهو في مناوراته التفاوضية للتوصل لاتفاق شراكة مع بقية الأحزاب المتطرفة الأخرى بعد إنجاز اتفاقه مع ابن غفير من أجل عزل بتسلئيل سموتريتش زعيم حزب "الصهيونية اليهودية"، لزيادة الضغط عليه لإجباره على الدخول للحكومة مستخدماً صديق سموتريتش الحميم ابن غفير الذي أعْطاهُ فوق ما يريد لجلبه للحكومة، وهذا ما تؤكده أوساط يهودية مُتنفذة.

ويرى ابن غفير أن الحكومة القادمة ستكون يمينية كاملة لـ"إعادة الأمن" إلى شوارع الكيان وللحفاظ على "التراث اليهودي" المزعوم، والنقب والجليل وتحقيق الوعود الانتخابية في القدس والخليل وتكريس وتسريع الاستيطان واستهداف المقاومة، وعلى الضفة الأخرى حَذَّرَ بيني غانتس من خطة إنشاء "جيش خاص" لابن غفير في الضفة، وأن هذا سيؤدي إلى فشل أمني خطير. وأضاف: "عندما لا تكون قوة حرس الحدود متاحة تحت إمرة قائد القيادة الوسطى للجيش، أو عندما تتلقى قوات حرس الحدود أمراً للعمل في منطقةٍ خلافاً لحاجة الجيش، فَستحدث فوضى أمنية عارمة، وستكون ارتداداتها خطِرة".

وعلى جبهة القدس والضفة فقد أعلن مستشفى "شعاري تسيديك" مَقتل مستوطن آخر السبت الفائت مُتأثراً بجراحه بعد عملية القدس المزدوجة، ولم يزل هناك جريحان في حالة الخطر، إلى جانب23 جريحاً ما زالوا يرقدون في المستشفيات.

وقد أشارت صحيفة "هآرتس" العبرية، أن عملية القدس صدمت جهاز "الشاباك"، ويرى أن هناك خلايا محترفة قادرة على التخطيط والعمل الاستخباري المُنظم، وصناعة المتفجرات وعلى تنفيذ هجمات سَتُحِدْث دماراً كبيراً، وهذا سيزيد من أعباء الجيش والشرطة في اتجاهات عديدة تغطي ليس فقط القدس والضفة المحتلة مثل "عرين الأسود" والكتائب المسلحة على امتداد المدن والقرى والمخيمات، وإنما في فلسطين المحتلة عام 1948، وعلى نحو خاص في المدن المختلطة التي تشهد في مجموعها انتشاراً مُكَثَّفاً وغير مسبوق لقوات جيش الاحتلال وشرطته والوحدات الخاصة وما يسمى "حرس الحدود".

وتُعد "هآرتس" في تقريرها أن أهم نقاط الخطر، ومصدر القلق الدائم لقيادة العدو، هي القدس، خاصة بُعدها الديني وتحديداً التدنيس والانتهاكات في المسجد الأقصى، إلى جانب هجمات المستوطنين في غير مكان على كل الضفة وما سَتثيره من ردود فعل غير متوقعة، وَسيتسارع ذلك بما سيفجر أكثر من انتفاضة ثالثة، كما أنه إذا فرض ذلك تدخل المقاومة في غزة وما سينجم عنه من عواصف عاتية ستطيح بالهدوء الهش منذ بضعة أسابيع.

ولا يخفى على مقاومتنا الباسلة، أننا أمام تصعيد خطير، وذلك يترافق مع تداعي قدرة السلطة في مقاطعة رام الله المحتلة على تقديم الدعم لجيش الاحتلال – كما تقول الشاباك- كل ما تقدم يعني أننا أمام بدايات حملة "حسم الصراع" ولكن مع عدو فاشي دنت ساعات بدء العد التنازلي لزواله.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة