شهدت مدينة القدس خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة انفجاراً كبيراً في المشاريع التهويدية والاستيطانية التي تستهدف الهوية العربية والاسلامية للمدينة المقدسة وتعزيز كونها عاصمة موحدة للاحتلال الاسرائيلي.
وتنوعت المشاريع بين شق طُرق جديدة وتوسعة شبكة الأنفاق أسفل البلدة القديمة والمسجد الأقصى إضافة لتشييد جسور وقواعد للقطار الهوائي الذي يستهدف فضاء المدينة كما تضمن المشاريع ربط المدينة بالمدن المحتلة المحطية بها حتى الساحل الفلسطيني عبر شبكة قطارات جديدة، ناهيك عن إحداث تغيرات والعبث في المباني التاريخية للمدينة كفندق البترا ومئذنة القلعة قرب باب الخليل بالمدينة.
"فصل الأحياء الفلسطينية وتثبيت الوجود اليهودي"
الباحث والمختص في شؤون القدس فخري أبو دياب يقول إن الاحتلال أخذ يُسارع للمصادقة على عشرات المشاريع الاستيطانية والتهويدية في المدينة؛ تمهيدًا لتنفيذها ظل الحكومة المتطرفة الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو.
ويضيف أن سلطات الاحتلال تحاول تغيير واقع مدينة القدس عبر تهيئة البنية التحتية والشوارع والطرق لاستكمال المشاريع الرامية لتأسيس ما تسمى "القدس الكبرى".
وأكد أبو دياب في حديث لـ "شهاب" أن مخاطر المشاريع تنطوي على فصل الأحياء الفلسطينية بعضها عن بعض لتثبت الوجود "الإسرائيلي" في المدينة.
وأشار إلى أن سلسلة المشاريع التهويدية التي أعلن عنها مؤخراً هي جزء من "الخطة الخمسية" التي وضعها الاحتلال لفرض رؤية "إسرائيلية" يهودية على المدينة برمتها.
"تنامي التطرف الصهوني والانزلاق العربي نحو التطبيع"
من جهته، بيّن الناشط والباحث المقدسي، رضوان عمرو، أن تسارع مشاريع تهويد القدس يعود لعدة أسباب وعوامل أبرزها تنامي التطرف في المجتمع الصهيوني الذي أفرز سلطات أكثر تطرفا، مما ساهم بصبغة المشاريع بصبغة توراتية دينية مرتبطة بـ"نبوءات صهيونية".
أما العامل الثاني الذي أعطى الاحتلال الضوء الأخضر لتنفيذ كل ما يريده في القدس المحتلة، فكان تطرف الإدارة الأمريكية خاصةً في "حقبة ترامب والتيار الجمهوري" الذي دعم الاحتلال بشكل غير مسبوق عبر ما يعرف بـ "صفقة القرن" والتي شجعت الاحتلال على التمادي في المدينة، إضافة لاعتراف هذه الإدارة بالقدس "عاصمة يهودية وأبدية" للاحتلال. وفق عمرو.
ويستطرد عمرو قائلا: "عزز انزلاق الموقف العربي الرسمي في التطبيع مع الاحتلال وإنهاء دور جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الاسلامي، من مشاريع التهويد موفراً لها غطاء من الصمت والتآمر العربي".
ويرى عمرو أن الأزمات الدولية المتلاحقة كـ "أزمة كورونا والأزمة الاوكرانية" ساهمت في استغلال الاحتلال لانشغال الرأي العام الدولي ورفع منسوب الانتهاكات ضد المقدسيين والمقدسات.
كما استغل الاحتلال هذه الأزمات للحشد المالي والاقتصادي عبر ابتزاز الحكومات الدولية بالسلاح والأمان وسخر هذا الحشد المالي لتنفيذ مشاريعه الإحلالية. بجسب عمرو.
ويضيف عمرو في حديثه لـ "شهاب" أن الاحتلال عمل خلال العقد الأخير على ملاحقة الحاضنة المدافعة عن مدينة القدس، بدءا بحظر الحركة الإسلامية ومنع مصاطب العلم في المسجد الأقصى، كما قُيدت قوى العمل الوطني والاسلامي في المدينة، مستطردا: "كل هذا أسهم في التأثير على الدرع المدافع عن القدس والأقصى، وتحطيم العمل المؤسسي المناهض للتهويد، مما سرع من عمليات التهويد وأضعف حالة التصدي لها".
واعتبر عمرو أن من العوامل الرئيسية في تسارع تهويد القدس، "إجهاض" الربيع العربي وتحول موقف بعض الدول العربية من داعم ومساند للقدس والقضية الفلسطينية إلى مُتخاذل ومتآمر على المقاومة والقضية، وكذلك تردي حالة السلطة الفلسطينية التي باتت تعمل كوكيل أمني للاحتلال
وحذر من مساعي الاحتلال لتوسيع القدس لأكبر مساحة ممكنه وربطها بالمستوطنات والمدن المحتلة عام 1948 عبر تأسيس أنظمة مواصلات كبيرة وجسور وأنفاق تلتهم الأراضي الفلسطينية في محيط القدس من كل النواحي والجهات بهدف جلب مئات الآلاف من المستوطنين بشكل يومي، "بالتالي العبث بالميزان الديموغرافي للمدينة".
رؤية الاحتلال "للقدس الكبرى"
وكل هذه المشاريع التهويدية والاستطيانية تهدف لتأسيس رؤية الاحتلال لمدينة القدس "اليهودية" "الكبرى"، إذ يوضح الباحث المقدسي هذه الرؤية بأنها تحويل وحشر الأحياء العربية بمدينة القدس في أزقة ضيقة وأحياء غير مرممة أو صحية أو آمنة للعيش، ويمكن التحكم بها والسيطرة عليها وفصلها عن بعضها البعض بحيث تبدو كأحياء شعبية وسط كم هائل من المستوطنات الضخمة والمتطورة والحديثة والمحسنة والمنظمة، ثم تسويق هذه الأحياء كعشوائيات يسكنها "الخارجون عن القانون".
واعتبر عمرو أن تأسيس هذه الرؤية وتنفيذها هو أخطر ما يقوم به الاحتلال في المدينة، وما دون ذلك هو تفاصيل تهدف إلى صبغ القدس بصبغة يهودية.
تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي للمدينة
فيما شدد رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد ناصر الهدمي على أن حكومة الاحتلال تعمل على زيادة الاستيطان في مدينة القدس المحتلة بغية تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في المدينة.
وقال الهدمي لـ"شهاب" إن الاحتلال عمل ولا يزال، على تزييف الكثير من الوقائع في مدينة القدس مستهدفاً جميع المظاهر الإسلامية في المدينة المحتلة.
وأكد، تمسك أهالي القدس بهوية المدينة، ورفضهم كافة السياسات الاحتلالية الهادفة لتغيير الواقع "فالمقدسيون يدركون هويتهم والتي هي سر صمودهم أمام محاولات تهويد المدينة وسلبها".